Share/Bookmark

الجمعة، 1 يناير، 2010

الهيروغليفية و شامبليون

الهيروغليفية و شامبليون

إعـــداد الباحث: أشرف السيد الشربينى

مــقــدمــة:
ما بين الماضى و الحاضر علاقة .. فالحاضر هو نتاج الماضى .. و لكى نعرف حاضرنا يجب أن نعرف ماضينا .. و معرفة الماضى لا يمكن أن تكون إلا إذا ترك لنا من كانوا يعيشون فى الماضى ما يحكى تاريخ الماضى ..
المشكلة أنهم كتبوا لكننا لم نستطيع أن نقرأ ما كتبوا .. ليس لأننا جاهلون بالقراءة .. و لكن لأن اللغة التى كتبوا بها قد إندثرت لأسباب قد تكون سياسية أو دينية أو غير هذا و ذاك ..
ظل تاريخ مصر القديم بلا قارئ .. إلا إنه كانت هناك محالات عديدة للقراءة .. قد أخفقت معظمها .. أما ما أصاب منها فكان فى إكتشاف حرف . أو إفتراض نظرية يمكن أن تقود إلى حل رموز هذه اللغة المندثرة ..
و لقد عجبت أثناء بحثى هذا عندما وجدت الكثير من التضارب فى التواريخ .. حيث وجدت فى بعض المراجع من يقول بأن شامبليون هو أول من توصل إلى أن أسماء الملوك كانت تكتب فى خراطيش , و فى مراجع أخرى نجد أن أول من توصل إلى ذلك هو توماس يونج , و فى مراجع أخرى نجد أنه سلفستر دى ساس , و أخيراً وجدت أنه "ج بارتلمى" الذى توصل إلى أن الخراطيش تحتوى على أسماء الملوك فى عام 1762 أى قبل كشف حجر رشيد بحوالى ثلث قرن من إطلاعه على الكتابة الهيروغليفية على الآثار المصرية .
كما أن هناك إختلاف بين المراجع على أول من قرأ إسم بطليموس فى الخراطيش ..
و مهما كان ما حدث .. المهم أننا قد توصلنا فى النهاية إلى حل رموز اللغة التى يمكننا من خلالها قراءة تاريخ وطننا فى عهده السحيق .
و من خلال هذا البحث أقوم بعمل دراسة تاريخية عن كيفية حل رموز اللغة الهيروغليفية التى وجدت على حجر رشيد , من خلال تسلسل تاريخى للأحداث منذ مجئ الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798 م مرورأ بإكتشاف حجر رشيد فى يوم 15 يوليو عام 1799 م , ثم حل شامبليون لرموزه بالكامل فى سنة 1828 , و إنتهاءً بوفاة شامبليون فى 4مارس 1832 .

نشأة اللغات المصرية القديمة :
تأتى اللغة المصرية القديمة بعد السومرية كأقدم لغة مسجلة .
تطلبت الحاجة إلى الكتابة مع تزايد المتطلبات الإدارية و البيروقراطية لمصر بعد أن قام الملك "مينا" بتوحيد قطرى مصر . و ينسب إلى "تحوت " أنه مخترع الكتابة الهيروغليفية , و اعتبرت قرينته "سيشت" ربة الكتابة .
و إنقسمت
الهيروغليفية إلى فئتين , رموز ذات معان صورية تسمى صوريات , و رموز ذات قيم صوتية تسمى صوتيات , و شكلت الكتابة الصورية أول هيروغليفية , تطورت إلى مجموعة من الرموز , تدمج الفن و اللغة معاً , بما يمثل أفكاراً , و أصواتاً , و أشياء . و أطلق المصريون على كتاباتهم "ميدو نتر" و معناها "كلمات الرب".
و كلمة "الهيروغليفية" ذات أصل إغريقى و معناه "النقوش المقدسة" . و إستخدمت "الهيروغليفية" أساساً فى الكتابات أو النقوش الزخرفية , و الرسمية , و المقدسة , و الدينية , حيث نحتت على الحجر و الفخار . كما كتبت بالهيروغليفية أيضاً السجلات المدنية و الوثائق الملكية ذات الأهمية الدائمة , فضلاً عن تسجيل الأحداث التاريخية .
و هناك شكل آخر من أشكال الكتابة هو "الهيراطيقية" التى إستخدمت لتسجيل المراسلات الأدبية و العلمية , و الحكومية , و اليومية . و هى كتابة بسيطة و ذات حروف متصلة , نشأت عن الهيروغليفية حوالى 1780 قبل الميلاد فى عصر الدولة الوسطى . و تعتبر الهيراطيقية بالنسبة للهيروغليفية , مثل الكتابة اليدوية بالنسبة للكتابة المطبوعة . و ظلت هذه الكتابة تستخدم حتى نهاية عصر الدولة الحديثة . و تعنى كلمة "هيراتيق" باليونانية "كتابة الكهنة أو رجال الدين" حيث كان الكهنة هم الذين يكتبون بالهيراطيقية عندما ينسخون الكتب الدينية المقدسة والنصوص الأدبية و التجارية , حيث تكون السرعة مطلوبة , فهى لغة أسرع فى الكتابة من الهيروغليفية .
و كانت "الديموطيقية" نوعاً آخر من أنواع الكتابة , ظهر نحو نهاية العصر المتأخر . و تعنى "ديموتيكس" باليونانية "عام" أو "شعبى" أى الكتابة الشعبية . و نشأت "الديموطيقية" عن الهيراطيقية حوالى عام 700 قبل الميلاد , و هى تكتب على نحو أسرع و حروفها متصلة بصورة تزيد عن شكل الكتابة الهيراطيقية . و إستخدم هذا النوع فى كل نواحى الحياة مثل الكتابات اليومية , و التجارية , و الحكومية , و القانونية . و إستمرت كتابة النصوص الدينية بالهيراطيقية , و ظلت النقوش المقدسة المنحوتة على الحجر مسجلة بالهيروغليفية , غير أن الديموطيقية صارت تستخدم فى الكتابات الأدبية , فضلاً عن المراسيم الملكية المنقوشة على الأعمدة الحجرية .
و كانت الديموطيقية آخر اللغات المصرية القديمة التى تكتب وانتشرت فى العصور المتأخرة، وعصرى البطالمة والرومان., و هى تقرأ مثل الهيراطيقية من اليمين إلى اليسار .

نهاية إستخدام اللغات المصرية القديمة :
فى جزيرة فيلة , عثر على آخر نقش هيروغليفى معروف , و هو يرجع إلى عام 394 ميلادياً , و بحلول العصر الرابع الميلادى , كان يعتقد أن الكتابة الهيروغليفية معادية للمسيحية , لأنها وثنية بطبيعتها . و فى عام 391 ميلادياً أغلقت الإمبراطورية البيزنطية جميع المعابد المصرية بإعتبارها مراكز عبادة وثنية . و دمر السيرابيوم , و غيره من المزارات المصرية . و كان آخر من إستخدم الهيروغليفية قلة من الكهنة الذين بقوا على قيد الحياة . و عندما ماتوا , ماتت الهيروغليفية و ماتت أيضاً القدرة على تفسير النقوش المقدسة لمصر القديمة .
و فيما بين سنة 100 و سنة 640 الميلاديتين , ظهرت لغة جديدة فى مصر تطورت بوجه خاص و إكتسبت شعبية حوالى سنة 300 ميلادية . و تكونت هذه اللغة الجديدة من الأبجدية اليونانية , ومع ست علامات إضافية , تمثل الأصوات المصرية المشتقة من الديموطيقية , غابت عن الأبجدية اليونانية , و عرفت هذه اللغة بإسم "القبطية" . إلا أن هذه الغة قد ماتت ببطء و حلت محلها اللغة العربية , غير أن الكنائس فى مصر مازالت تستخدم اللغة القبطية فى بعض صلواتها .
فى عام 1762 أى قبل كشف حجر رشيد بحوالى ثلث قرن توصل "ج بارتلمى" من إطلاعه على الكتابة الهيروغليفية على الآثار المصرية إلى أن الخراطيش تحتوى على أسماء الملوك .
حجر رشيد :
"حجر رشيد" عبارة عن كتلة من الجرانيت الرمادى يبلغ وزنه حوالى 1500 رطل (762 كيلوجرام) و إرتفاعه ثلاثة أقدام تقريباً (113 سم) , بعرض يزيد عن قدمين (75.5 سم) , و سمك 11 بوصة (27.5 سم).
قش فى 27 مارس عام 196 ق.م مديح للملك "بطليموس الخامس" بمناسبة الذكرى السنوية لتوليه العرش و حمل شكر من كهنة منف للفرعون ذى الثلاثة عشر عاماً على مكرمته التى منحها للمعبد , و كان هذا الإحتفال الأخير له , و إحتوى الحجر على نفس النص مكتوباً بثلاث لغات مختلفة على هيئة ثلاثة نقوش متوازية، وذلك باللغات الهيروغليفية (14 سطر)، والديموطيقية (32 سطر)، واليونانية (54 سطر).

ملحوظة :
يقول د. زاهى حواس فى جريدة الأهرام ليوم السبت 26 نوفمبر 2005 بأنهم فى المتحف البريطانى قاموا بنقل حجر رشيد (من مكانه المظلم بقسم النحت بالطابق السفلى , و تم عرضه بأسلوب رائع و بدأوا فى إزالة طبقة الدهان البيضاء , و بقايا الشمع من الحجر الذى إعتقد العالم كله أنه من البازلت , و هذا منشور فى كل الكتب التى تتحدث عن حجر رشيد , و لكنهم إكتشفوا الآن أن حجر رشيد من الجرانيت الرمادى و ليس البازلت.)

إكتشاف حجر رشيد :
بعد مجىء الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798 م ، و بعد عام من مجيئها و بالتحديد فى يوم 15 يوليو عام 1799 م عثر أحد ضباط الحملة الفرنسية و يدعى "بيير فرانسو كسافيير بوشارد Pierre Francois Xavier Bouchard" (1772 - 1832) و كان ضابطاً مهندساً على "حجر رشيد" بالقرب من مدينة "رشيد" المصرية، أثناء قيامه بأعمال هندسية عند "قلعة جوليان" قرب رشيد و هى ثغر على مسافة 70 كم شرق الإسكندرية . و كان هذا الضابط معبعض ضباط الحملة حين كانوا يقومون بإزالة حائط قديم , فلما لاحظ لوحة حجرية غريبة مستعملة فى بناء حائط قديم , أخطر القائد مينو بإكتشافه , فنقل ذلك الأثر إلى المعهد العلمى الذى كان نابليون قد أنشأه فى القاهرة , و أعلنت جريدة قوات الحملة "لاكورييه ديجيت" نبأ الإكتشاف و تساءلت عما إذا كان وجود الكتابة الإغريقية , التى يبدوا أنها ترجمة للنص الهيروغليفى المصرى , يمكن أن يزودنا بمفتاح لقراءة و كشف معانى اللغة الهيروغليفية المصرية القديمة.
و لما إحتل الإنجليز مصر فى سنة 1801, قام الفرنسيون بتسليم جميع القطع الأثرية و بينها حجر رشيد إلى الإنجليز , و ذلك طبقاً لإتفاقية بينهما على إقتسام مناطق النفوذ فى العالم العربى , و كان الفرنسيون قد قاموا بطبعه على الورق ليحتفظوا بالصورة , و قام كلاً علماء الحملة الفرنسية و المعهد البريطانى بتوزيع نسخ من هذا الحجر على المعاهد و الجامعات الأوربية و فى العام التالى لتسليم الحجر إلى الإنجليز أى فى عام 1802 تمت ترجمة النص اليونانى إلى 3 لغات هى : اللاتينية و الإنجليزية و الفرنسية .
ونظراً لأن نفس النص مدون باليونانية القديمة و الديموطيقية , صار تفسير النص المكتوب بالهيروغليفية ممكناً . غير أن الكتابة الهيروغليفية المنقوشة فى الجزء الأعلى , لم تحتوى إلا على قدر قليل من الرموز , حيث لحقها الضرر الأكبر بين اللغات الثلاثة . و لم يتسن العثور على الأجزاء المفقودة أبداً .
كانت اليونانية و الديموطيقية معروفتين خلال القرن التاسع عشر الميلادى , و من ثم تبين أن ما كتب على الحجر بكل منهما نصاً متطابقاً . فكان من الطبيعى إفتراض أن النص الهيروغليفى أيضاً يحتوى نفس المعلومات.

جهود "سلفستر دى ساسى" :
كان أول من حاول فك رموز حجر رشيد هو العالم الفرنسى"سلفستر دى ساس" عالم اللغة العربية عام 1802 أى بعد أن قام الإنجليز بترجمة النص اليونانى بعام واحد , و قد كانت محاولته منصبة على القسم الديموطيقى , ظناً منه أنه لتشابه الخط هذا الخط بالكتابة العربية الرقعة وجود علاقة بينهما , و إستطاع أن يحدد و يحصر 25 حرف , و هى حروف الأبجدية التى تتكون منها اللغة الديموطيقية , و بذلك إستطاع قراءة و نطق الكلمات المكتوبة بالديموطيقية دون أن يعرف معناها , و قد تعرف على إسم الملك بطليموس من خلال الخط الديموطيقى .

القبطية و الهيروغليفية :
إستعان بعض العلماء بما توصل به عالم ألمانى فى القرن السابع عشر هو الأب كريشر من ان اللغة القبطية هى نفسها اللغة المصرية القديمة التى كان يتحدث بها المصريون , و لكنها مكتوبة بحروف يونانية و بعض الحروف الديموطيقية , و بذلك تمكن العلماء من عقد مقارنة بين نطق الكلمات و الجمل المكتوبة بالديموطيقية و النطق طبقاً للدلالات الصوتية للغة القبطية . كما لاحظ العلماء أن أسماء الملوك المذكورين فى النص مكتوبة داخل "خراطيش" أما النص المكتوب بالخط الهيروغليفى فقد كان من الصعب معرفة نطقه , و فهم ألغازه و رموزه .
و كان أول من إستخدم اللغة القبطية فى حل رموز اللغة المصرية القديمة هو العالم السويدى "جوهان ديفيد أكربلاد Johann David Akerblad" عام 1802 .

جهود توماس يونج :
و لم يتيسر إستكمال أعمال الترجمة قبل عشرين عاماً , و حقق الإنجليزى "توماس يونج Thimas Young " (1773 - 1824) أول خطوة ناجحة فى هذا المجال . و كان يونج أول من خلص إلى أن الهيروغليفية ربما تمثل صوتيات متجمعة فى كلمات . كما إستنتج أن بعض الرموز الديموطيقية و الهيراطيقية نشأت عن الكتابة الهيروغليفية . و حالفه الصواب عندما إفترض أن الهيروغليفية تحتوى على كل من الأبجدية و الرموز . و لم يتقن "يونج" المصرية القديمة بطلاقة , الأمر الذى جعل تقدمه محدوداً للغاية . و مع ذلك إكتشف المعانى الحقيقة لعدة رموز صوتية و حروف . و قد كان يعلم من جهود من سبقه أن الأسماء الملكية تنقش داخل "خراطيش" , و على ذلك رتب العلامات التى وجدت فى الخرطوش كحروف تمثل رمز "بطليموس" , و قد نجح نجاحاً جزئياً فى معرفة مجموعة الحروف التى يتكون منها إسم "بطليموس" عام 1814 , و فى ذلك الوقت كشف المغامر الإيطالى "بلزونى" عن مقبرة "سيتى الأول" , و إستطاع يونج أن يفسر حرف "ب" فى إسم سيتى و لكنه لم يعرف أن الإسم يمكن أن ينطق "بسيتى" , و مع ذلك فقد ترك بعض العلامات بغير تفسير , فساقه ذلك إلى الوقوع فى بعض الأخطاء , فقرأ "يورجيتيس" و "أوتوقراطور" على أنها "قيصر" و "أرسينوى".
و قد أضاف الإنجليزى "بانكس Bankes" فى عام 1819 إلى هذه النتائج قراءة الإسم الهيروغليفى "كيلوباترا" على مسلة فى أسوان .
كان هؤلاء العلماء السابقين و غيرهم يرسلون ما يتوصلون إليه إلى الهيئات العلمية فى أوربا , فتقوم هذه الهيئات بنشرها حتى تكون متاحة للجميع .

شامبليون .. العالم و الإنسان :
ولد "جان فرانسو شامبليون Jean François Champollion" (1790 - 1932) فى مدينة فيجاك بمقاطعة لوت فى 23 ديسمبر عام 1790 , و قد كان والد شمبليون قد إستقر فى مدينة فيجاك , حيث كان يبيع الكتب فى مكان صغير كان عمدة المدينة قد خصصه له لعرض الكتب و بيعها .
مات أبواه و هو فى سن صغيرة , و إنتقل إلى مدينة جرينوبل حيث كان أخوه الأكبر جاك جوزيف يعمل هناك باحثاً فى معهد البحوث الفرنسى فأصبح فى رعايته , قد بدأ جان فرانسوا و هو لا يزال فى الثالثة عشر من عمره فى الإهتمام باللغات العربية و الكلدانية و السريانية بعد أن كان قد درس اللاتينية و العبرية . و كان من العادات و التقاليد أن يحمل الإبن الأكبر فقط لقب العائلة , إلا أن شقيق شامبليون قد أعطاه إسم العائلة و هو فى سن السادسة عشرة لأنه كان على ثقة بأن أخيه الصغير سوف يعلو شأنه و سوف يصبح من المشاهير نظراً لعبقريته و نبوغه , و هو ما جعل إسم العائلة يتردد فى كل مكان , و لحسن حظه كان حاكم المقاطعة ليس سوى عالم الرياضيات جاك فورييه الذى طلب مقابلة هذا الصبى العجيب الذى يعرف الكثير بالرغم من صغر سنه , و قام بإطلاعه على أوراق بردى و على مقتطفات من اللغة الهيروغليفية المنقوشة فوق حجر رشيد .
بدأ فى سنة 1812 و هو فى الثانية و العشرين من عمره فى دراسة اللغة القبطية , و كان شقيقه الأكبر يتابعه خطوة بخطوة , و يقوم بتمويل مشترياته من الكتب , و كان من النادر أن يفترقا , كانا يفعلان سوياً كل شئ حتى التصرفات الخاطئة .

شامبليون و حجر رشيد :
عندما كان شاملبيون فى التاسعة عشر من عمره قدم أول مذكرة إلى أكاديمية العلوم و الفنون فى جرينوبل و التى أشار فيها إلى أنه يجب على الحروف الهيروغليفية أن تصدر أصواتاً لكى يمكنها التعبير عن أسماء يونانية .
و فى الخامسة و العشرين من عمره أصدر كتابه "مصر فى عهد الفراعنة" و الذى أوضح فيه أن المصريين لم يكونوا دائماً يكتبون حروف العلة .
لم يتفق "شامبليون" فى أول الأمر مع فكرة "يونج" أن الهيروغليفية تجمع كلا من الأشكال الصورية و الصوتية . و إعتقد "شامبليون" أنها مجرد أشكال صورية أكثر منها أبجدية , إلا أنه عدل عن رأيه بعد ذلك.
فى أغسطس 1821 برهن شامبليون على وجود علاقة قرابة لغوية بين الخطوط المصرية الثلاثة (الهيروغليفى , و الهيراطيقى الكهنوتى , و الديموطيقى) , و أكد أمام أكاديمية الكتابات المنقوشة و الآداب القديمة أن هذه الخطوط تنتمى إلى منظومة واحدة , و لقد تم إشتقاق هذه الخطوط الثلاثة الواحد من الآخر فالخطوط الهيروغليفية أنتجت الخط الهيراطيقى الكهنوتى الذى هو مخطوط يدوى عادى , و الخطوط الهيراطيقية أنتجت الخط الديموطيقى الذى هو صورة تبسيطية لاحقة , و هكذا كانت مصر تمتلك ثلاثة خطوط للتعبير عن لغة واحدة . الأول خطاً مقدساً و الثانى خطاً عادياً مكتوباً باليد و الثالث و الأخير خطاً شعبياً يستخدمه المصريون فى حياتهم اليومية .
و مضى قداماً فى نشر هذه النظرية عام 1821 , و قد ساعده نقش من جزيرة فيلة يحتوى إسمى بطليموس و كليوباترة , و وجد فى كتاب قديم أن القيمة الصوتية للرموز المصرية تؤخذ من الحرف الأول لإسم الشئ , فأخذ فى التعرف على الرموز و كلما تعرف على رمز بحث عن إسمه باللغة القبطية , و بذلك أمكنه معرفة القيمة الصوتيه للرمز الهيروغليفى من الحرف الأول للكلمة القبطية , و بعد ذلك ساعدته النصوص الإغريقية , فأمكنه ملأ الفراغات بتخمين المعنى القبطى للكلمة الإغريقية بين الحروف التى تعرف عليها بالطريقة السابقة , و إستطاع بذلك قراءة رموز 79 إسماً ملكياً مختلفاً , عرف جميع حروفها و رتبها فى جدول حرفاً حرفاً , و بواسطة جميع الحروف الهجائية التى عرفها نجح فى معرفة عدد من الكلمات , و بدأ فى كتابة معجم خاص للغة المصرية القديمة .
فى يوم 14 سبتمبر 1822 أمسك شامبليون بأوراقه فى يده و أخذها معه تاركاً بيته فى شارع مازارين فى باريس و ذهب مسرعاً نحو أكاديمية الكتابات المنقوشة القريبة من البيت حيث يعمل شقيقه الأكبر جاك جوزيف , و دخل عليه المكتب صائحاً : "المسألة فى حوزتى !" ثم سقط مغشياً عليه .
و أخذ شامبليون يكتب ماتوصل إليه من نتائج و قام بإرسال هذه النتائج فى خطابه المشهور إلى "مسيو داسييه M.Dacier" أمين أكاديمية العلوم و الفنون فى 27 سبتمبر عام 1822 و الذى لم يكشف فيه شامبليون سوى عن جزء من إكتشافاته , حيث كان فى حاجة إلى إجراء مراجعة و إعادة فحص . و لم يصرح بمفتاح إكتشافه سوى بعد عامين و ذلك فى دراسته "موجز المنظومة الهيروغليفية عند قدماء المصريين" حيث قام بتوضيح هذه المنظومة بعبارة بليغة , قال فيها : "إنها منظومة مركبة , فكل نص و كل جملة تشتمل على كتابة منقوشة و رمزية و منطوقة فى آن واحد" .
قام الملك لويس الثامن عشر بمنح شامبليون صندوقاً من الذهب , ثم سافر شامبليون إلى الفاتيكان حيث إستقبله البابا ليون الثانى عشر بابا الفاتيكان و إقترح عليه تعيينه كاردينالاً , إذ كان يعتقد أن إكتشافه يعزز التسلسل التاريخى التوراتى الذى و ضعته الكنيسة , إلا أن شامبليون رفض بأدب رتبة كاردينال , و لكنه قبل الحصول على جوقة الشرف .
بعد ذلك سافر شامبليون إلى إيطاليا (من سنة 1824 - 1826) , و كان فى حاجة إلى أن يتحقق من صحة نتائجه , و لهذا ذهب أولاً إلى متحف تورين بإيطاليا الذى يمتلك مجموعة رائعة من الآثار المصرية , حيث ظل يفتش فى مجموعات الآثار المصرية , و ينسخ النصوص و يضيف كلمات جديدة إلى معجمه .
و بعد زيارته إلى تورين ذهب شامبليون إلى ليفورنو حيث توجد مجموعة تحف أخرى .
و فى سنة 1827 تم تعيينه أميناً عاماً للآثار المصرية بمتحف اللوفر فى باريس , الذى إفتتح فى نوفمبر 1827 بإسم متحف شارل الثامن . و فى أثناء ذلك تقدم لعضوية أكاديمية الكتابات المنقوشة و الآداب القديمة "Inscriptions & Bells Letters" سنة 1828 لكنه لم يقبل بها .
و لم يستطع شامبليون أن يحقق نجاحاً كبيراً , سوى لاحقاً عندما درس نظرية "يونج" بمرونة اكثر . و قام مستعينا باللغة القبطية بها فى تصحيح الأبجدية التى وضعها توماس يونج , و فى نهاية الأمر نجح فى ترجمة النص المنقوش على حجر رشيد بالكامل وقام بنشره عام 1828 .
فى سنة 1828 تم تشكيل بعثة فرنسية – توسكانية (توسكانيا هى منطقة فى شمال إيطاليا) بموافقة ملكى فرنسا و توسكانيا , و قد ضمت البعثة 12 عضواً بينهم شامبليون , متجهين إلى مصر .
وصلت البعثة إلى مصر فى يوم 18 أغسطس 1828 , و نزل شامبليون و أعضاء البعثة من السفينة إلى أرض الإسكندرية . و إستمر و جود شامبليون فى مصر من سنة 1828 إلى سنة 1830 .
لم تعرب لجنة الإستقبال فى الإسكندرية عن ترحيبها الحار بالزائرين حيث أبدى "دورفيتى" قنصل فرنسا ذهوله لحضور البعثة فى حين أنه كتب إلى باريس مبيناً تحفظاته الشديدة على مثل هذه الزيارة , فالوقت غير مناسب إطلاقاً للحضور و مقابلة الوالى "محمد على" و تقديم طلبات إليه بينما كانت السفن الحربية الفرنسية قد إشتركت أخيراً فى تحطيم الأسطول التركى - المصرى فى نافارين , و لكن خطاب "دورفيتى" وصل باريس متأخراً .
و على كل حالى فقد خضع دورفيتى , فقد هدد شامبليون بإبلاغ الصحافة الأوروبية إذا ما رفضوا منحه التراخيص اللازمة .
و إستقبل "محمد على" "شامبليون" الذى حصل منه على فرمان و على حراسة و تسهيلات متنوعة أخرى و أصبح من الممكن للبعثة أن تبدأ عملها .
و بعد وصوله إلى مصر بعشرة أيام كتب إلى شقيقة جاك جوزيف يقول : " إننى أتحمل حرارة الجو بأقصى ما أستطيع , يبدوا أننى قد ولدت فى هذه البلاد فالفرنج يرون أن سماتى تتشابه تماماً مع سمات رجل قبطى , إن لون شنبى الأسود الذى أصبح محترماً فعلاً يساهم كثيراً فى جعل وجهى شرقياً , فضلاً عن أننى إكتسبت عادات و أعراف البلاد فأشرب الكثير من القوة و أدخن النارجيلة ثلاث مرات يومياً "
دامت رحلة شامبليون فى مصر تسعة عشر شهراً إكتشف خلالها خمسين موقعاً , و قام بتدوين نتائج هذه الرحلة فى ست مجلدات كبيرة بعنوان "آثار مصر و النوبة" .
و كانت نتيجة هذه الرحلة مجموعة من المؤلفات الأخرى أيضاً منها : مخطوط "المذكرات التفسيرية" و "مذكرات عن مصر و النوبة" الذى سجل فيه مشاهداته عند زيارته للآثار الفرعونية وتعليقاته المستفيضه عنها , و كذلك قراءاته للأسماء و النصوص التاريخية خطوة بخطوة خلال إعادة إكتشاف لمصر القديمة .
و قد كتب إلى مسيو داسيه ظافراً : "يحق لى أن أبشرك بأنه لا يوجد ما يلزم تغييره فى "رسالة حول الحروف الأبجدية الهيروغليفية" التى وضعناها , إن هذه الأبجدية صالحة , و تنطبق بنجاح متساوٍ على الصروح المصرية فى زمن الرومان كما فى زمن البطالمة , و من المهم للغاية أن تنطبق أيضأ على الكتابات المنقوشة فى جميع معابد و قصور و مقابر العهود الفرعونية ."
وعند عودته من صعيد مصر قابل "شامبليون" الوالى "محمد على" الذى طلب منه كتابة مذكرة عن تاريخ الآثار القديمة , و كان من الطبيعى أن يستجيب "شامبليون" لهذا الطلب و لكنه إستغل الفرصة لكى يكتب مذكرة ثانية تلفت إنتباه "محمد على" إلى ما شاهده من تخريب وحشى للآثار فى جميع أنحاء مصر , و إقترح تنظيم الحفريات للمحافظة على هذا التراث من تعديات الجهل و الجشع الأحمق .
و كتب "شامبليون" خطاباً لأخيه "جاك جوزيف" يقول فيه : "لقد جمعت أعمالاً تكفينى العمر كله !"
و لما عاد شامبليون إلى فرنسا تم تعيينه أخيراً كعضواً فى أكاديمية " الكتابات المنقوشة و الآداب القديمة Inscriptions & Bells Letters" فى مايو سنة 1830 , ثم أستاذاً فى "الكوليج دى فرانسCollege de France" سنة 1831 , و لم يـُلق بها سوى بضع محاضرات فى الكرسى الذى أنشئ خصيصاً له , حيث سرعان ما إضطره المرض إلى التوقف عن إلقاء هذه المحاضرات , وتوفى شامبليون فى 4مارس 1832 و هو فى الثانية و الأربعين من عمره , و جرت مراسم الجنازة بسان - روش بحضور جمهور كبير كان يشترك فى كرنفال عيد المرفع (عيد مسيحى غربى) , و كان شامبليون قد طلب دفنه فى مقابر بير – لاشيز , و أقيمت بجوار قبره مسلة من الصلصال الرملى محاطة بسياج مشبك .
و لم يكن شامبليون قد تمكن من إتمام كتابه عن "النحو المصرى" و لا القاموس الذى كان يقوم بإعداده , إلا أن شقيقه الأكبر "جاك جوزيف" قد قام بإتمامهما و نشرهما .

الهيروغليفية .. بين شامبليون و إين وحشية :
يتساءل د . على فهمى خشيم فى كتابه "آلهة مصر العربية" عما إذا كان العرب قد عرفوا شيئاً عن الهيروغليفية قبل شامبليون .. حيث يذكر أن العالم العربى العراقى أحمد إبن وحشية المتوفى فى أوائل القرن العاشر الميلادى كان مهتماً باللغات القديمة و أن له كتاب فى هذا المجال هو "شوق المستهام فى معرفة رموز الأقلام".
كان كتاب "آلهة مصر العربية" قدر صدر فى طبعته الأول سنة 1990 و فى جريدة القاهرة ليوم الثلاثاء 29 أكتوبر 2007 خبراً فى الصفحة الأولى بعنوان "العرب سبقوا "شامبليون"فى فهم اللغة الهيروغليفة" و يقول الخبر :
(فى إحتفالية نظمتها كلية الآثار فى جامعة القاهرة بالتعاون مع معهد الآثار الفلمنكى و كلية الآثار فى جامعة الفيوم و كلية الآداب فى جامعة المنصورة , لتكريم الدكتور عبد الحليم نور الدين أستاذ الآثار و الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للآثار المصرية , فجر الدكتور عكاشة الدالى الخبير بمتحف بترى فى العاصمة البريطانية لندن مفاجأة من العيار الثقيل حين أشار إلى أن العلماء العرب هم أول من إكتشف أسرار اللغة الهيروغليفية قبل أن يتوصل إليها العالم الفرنسى شامبليون , و قد تم ذلك على يد عالم عراقى بارز من أهل القرن العاشر الميلادى هو "إبن وحشية"صاحب الكتاب المعروف "الفلاحة النبطية" و له مؤلفات أخرى فى الكيمياء و لإبن وحشية كتاب من أهم الكتب فى دراسة اللغات القديمة سماه "شوق المستهام فى معرفة رموز الأقلام" و كان المستشرق النمساوى المعروف يوسف همر قد نشر النص العربى مع ترجمة إنجليزية لهذا الكتاب إدراكاً منه لأهميته القصوى فى مجال دراسة الكتابة الهيروغليفية .
و أضاف أنه تم طبع الكتاب فى لندن سنة 1806 أى قبل أن يتوصل العالم الفرنسى شامبليون إلى حل رموز الكتابة المصرية القديمة عن طريق فك رموز حجر رشيد بـ 16 سنة .)
و بعد .. فهل إستطاع شامبليون بالفعل من التوصل إلى حل رموز الهيروغليفية من خلال جهد متواصل فى محاولة فهم النصوص المكتوبة على حجر رشيد , أم أنه توصل إلى مثل هذا الكتاب و قام بالنقل عنه , و خصوصاً أن هناك بعض من يتهمونه بأنه توصل إلى ما توصل إليه من خلال مخطوط عربى قديم .
و هل إستطاع إبن وحشية فى كتابه معرفة كل رموز اللغة الهيروغليفية أم أنه قد عرف بعضها فقط مثلما فعل العلماء الذين سبقوا شامبليون فى هذا المجال ؟!
و عموماً .. سواء كان شامبلون هو الذى حل رموز الهيروغليفية أو إبن وحشية . فإن من قام بحل هذه الرموز قد قام بحل رموز تاريخ أمة بأكملها .. حيث لم يكن بوسع أحد أن يعرف شيئاً عن تاريخ مصر القديمة و تاريخ علاقاتها مع الدول المحيطة و طبيعة الحياة فى المنطقة بأكملها دون التعرف على اللغة التى تمت به كتابة هذا التاريخ بأكمله ..

المراجع:
كتب:
كتاب: مصر ولع فرنسى         تأليف: روبير سوليه     ترجمة: لطيف فرج          الهيئة العامة المصرية للكتاب
كتاب: آلهة مصر العربية         تأليف: على فهمى خشيم            الهيئة العامة المصرية للكتاب
كتاب: روح مصر القديمة        تأليف: آنا رويز            ترجمة: إكرام يوسف          الهيئة العامة المصرية للكتاب
كتاب: معجم الحضارة المصرية القديمة          تأليف: جورج بوزنر وآخرون        ترجمة: أمين سلامة         الهيئة العامة المصرية للكتاب
موسوعة: مصر القديمة - جزء 1        تأليف: سليم حسن             الهيئة العامة المصرية للكتاب

دوريات:
جريدة الأهرام       الثلاثاء 13 يوليو 2004     مقال: مواقف     الكاتب: أنيس منصور
جريدة الأهرام        السبت 12 أغسطس 2003     مقال: آثار وأسرار        الكاتب: زاهى حواس
جريدة الأهرام        السبت 16 أكتوبر2004     مقال: آثار وأسرار       الكاتب: زاهى حواس
جريدة الأهرام        السبت 26 نوفمبر2005     مقال: آثار وأسرار       الكاتب: زاهى حواس
جريدة القاهرة        الثلاثاء 9 أكتوبر 2007     مقال: العرب سبقوا شامبليون فى فهم الهيروغليفية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.