عفوًا.. القتل.. بسبب جارية
بقلم: عبد الله إمام
الجمهورية 9 مايو 2002م - 26 صفر 1423هـ
ولقد بدأت القصة من أولها بمحاولة الاستقلال بمصر عن الخلافة العباسية.. في ظل ما يُطلق عليه المؤرخون اسم الدولة الطولونية التي لم تعش طويلا..
تولى «باكباك» أحد القادة الأتراك إمارة مصر، فأناب عنه الشاب التركي ابن زوجته أحمد بن طولون، وكان أبوه طولون أحد موالى نوح بن سد عامل بخاري و خراسان، فأهداه نوح إلى الخليفة المأمون فرباه مع الأمراء.. وولد له ابنه أحمد فى مدينة «سرمن راى» فاهتم به، حفظ القرآن واتقنه، وكان يرتله بصوت جميل، بالإضافة إلى اتقانه بقية علوم الدين الأخرى، ولما مات طولون ترك الخليفة المتوكل لابنه أحمد ما كان لأبيه من أعمال وامتيازات، وراح الابن يتدرج في شتى الوظائف إلى أن تولى امرة الثغور ثم كان أميرًا على دمشق وأخيرًا على ديار مصر..
وأثناء تساقط الخلفاء العباسيين، كان أحمد بن طولون يوطد حكمه في مصر، فبعد أن قتل «باكباك» الذى ولاه مصر دون الإسكندرية، جاء بدلا منه أميرًا على مصر والد زوجته «ياركوج » فأطلق يديه، وضم إلى سلطانه الإسكندرية ومناطق أخرى، وبدأ نهضة من بينها أعمال صناعية أغلبها تتعلق بالسفن والموانئ، وعندما أرسل له الخليفة العباسى يطلب الخراج اعتذر لأن الخراج ليس بيده فولاه الخليفة على خراج مصر والشام، وبذلك جمع بين السلطة التنفيذية والمالية، وعندما استنجد به الخليفة ضد عامله في فلسطين، كانت فرصته لتكوين جيش قوى، يضم الأتراك والعرب والمصريين والسودانيين...
ويقول ابن اياس أن «أحمد بن طولون توجه على سبيل التنزه نحو الأهرام فينما هو راكب، إذ غاصت قوائم فرسه في الأرض، فأمر بكشف ذلك المكان فلما كشف، فإذا هو كنز فيه دنانير ذهبًا، كل دينار قدر الرغيف، ووجد به إنسان ميت، فكان طول كل عظمة من أضلاعه أربعة عشر شبرًا، وعرضه نحو شبر، ثم أن الأمير أحمد نقل ذلك المال إلى خزانته..
وقد أرسل أحمد بن طولون جثة هذا الميت إلى بغداد، حتى يشهدها الخليفة فلما ظفر بهذا الكنز اتسع حاله واستكثر من شراء المماليك حتى بلغ عددهم أربعة وعشرين ألفًا، واشترى من الزنج حتى بلغ عددهم أربعين ألفًا ولما كثرت عساكر الأمير ضاقت بهم مدينة الفسطاط فبنى مدينة شرق الفسطاط وسماها «القطائع» وكانت ميلا فى ميل، وعرضها من قطر السباع الى جبل المقطم»..
وأقام فى القطائع مسجده الكبير الذى لا يوجد له نظير في اتساعه في أرجاء العالم الإسلامي - باستثناء الحرم المكى - وهو منفرد بين المساجد فلم تستعمل في بنائه الأعمدة الرخامية والجرانيتية، وقيل أن المهندس الذي صممه وأشرف على تنفيذه وهو سعيد بن كاتب الطرغانى ابتكر هذا الأسلوب الفريد بغير حاجة إلى الأعمدة التقليدية، ومئذنة المسجد تدور سلالمها حوله من الخارج على خلاف المألوف فى كل المآذن التي أنشئت في مصر من قبل ومن بعد، وقد منح المهندس الذي صممه عشرة آلاف دينار مكافأة على عمله..
ولم يستطع المعاصرون لأحمد بن طولون أن يدركوا كيف استطاع أن يدبر الأموال اللازمة لبناء هذا الصرح الضخم، فقالوا أنه عثر على كنز به مليون دينار..
ويقول ابن اياس أن الناس رفضوا أن يُصلوا فى هذا المسجد على اعتبار أنه بُنى من أموال حرام لكثرة ما أنفق عليه، فصعد أحمد بن طولون المنبر، وأقسم أنه بُنى من مال حلال وشرح حكاية الكنز، واعترض الناس على ضيق القبلة، فصعد المنبر مرة أخرى، وقال أنه رأى النبى «صلى الله عليه وسلم» في المنام يصف له هذه القبلة لهذا المسجد ونفذها وفقًا لما أشار اليه الرسول في المنام..
وأقام إلى جانب المسجد، بيمارستان - مستشفى - لمعالجة المرضى وإيواء العجزة، وجعله خالصًا للشعب، ومنع ارتياده على الجند والمماليك..
أصابت أحمد ابن طولون لعنة الفراعنة، يقول جامع السيرة الطولونية، أنه كان بمدينة عين شمس صنم مُحكم الصناعة، على قدر خلق الرجل المعتدل القامة يكاد ينطق، فقصد الأمير أحمد أن ينظر إليه، فنهاه أحد الكهان عن رؤية هذا الصنم، وقال: يا أيها الأمير لا تنظر إلى هذا الصنم، فما نظر إليه أحد من ولاة مصر إلا وعزل فى عامه.. فلم يعبأ بهذا الكلام، وركب وتوجه إلى ذلك الصنم، ورآه ثم أنه أمر بقطعه فقطع... لم يبق له أثر، فلما رجع أصيب بالحمى ولزم الفراش، فبقى فى المرض نحو عشرة أشهر واضطربت خلالها الأحوال في مصر، حتى خرج الناس قاطبة إلى الصحارى، وفعلوا كما يفعلون في الاستسقاء، فخرجوا حُفاة، وعلى رؤوسهم المصاحف، وخرج اليهود وعلي رؤوسهم التوراة، وخرج النصارى وعلى رؤوسهم الأناجيل، وخرج الأطفال من المكاتب، وعلى رؤوسهم الألواح، وخرج العلماء والزهاد، ودعوا له إلى الله تعالى بالعافية والشفاء، فلم يفد ذلك شيئًا، فاستمر مريضًا حتى مات، وعمره خمسون عامًا، وقد حكم ست عشرة سنة وشهرًا، وخلف ثلاثة وثلاثين ولدًا ومنهم سبعة عشر ذكرًا.. ويقول ابن اياس.. ان أحمد بن طولون كان سخى النفس ومُنقادًا إلى الشريعة ويحب العلم مُتصدقًا ومُتواضعًا ويُصلى على من يموت من أهل مصر غنى أو فقير، وكان له اشتغال بالعلم وطلب الحديث، ومع ذلك كان شديد الغضب، وسيئ الخلق وسفاكًا للدماء، إذا قدر لم يعف حتى أنه مات وفى حبسه ثماني عشر ألف إنسان..
وجاء من بعده ابنه خماروية.. ويقول أبو المحاسن.. لما ملك خماروية الديار المصرية بعد موت أبيه أقبل على عمارة قصير أبيه وزاد فيه محاسن كثيرة، وأخذ الميدان الذى كان لأبيه المجاور للجامع، فجعله كله بستانًا وزرع فيه أنواع الرياحين وأصناف الشجر، وحمل كل صنف من الشجر المطعم وأنواع الورود، وزرع فيه الزعفران، وكسا أجسام النخل نحاسًا مُذهبا حسن الصنعة، وجعل بين النحاس وأجسام النخل، مزاريب الرصاص وأجرى فيها الماء بتدبير معين، فكان الماء يخرج من تضاعيف قوائم النخل على شكل عيون فينحدر إلى مساق معمولة، ويفيض الماء منها إلى مجار تسقى سائر البستان وغرس أرض البستان من الريحان المزروع على صورة نقوش معمولة وكتابات مكتوبة يتعهدها البستاني بالمقاريض حتى لا تزيد ورقة على ورقة..
ووفقًا لأحمد حسين - موسوعة تاريخ مصر.. فقد كان له في هذا البستان مجلس سماه دار الذهب إذ طليت حيطانه كلها بالذهب، واللازورد في أحسن نقش، وجعل فى حيطانه مقدار قامة ونصف صور بارزة من خشب معمول على صورته «أى صورة خماروية»، وصور حظاياه والمغنيات اللاتي تغنينه في أحسن تصوير وأبهج تزويق، وجعل على رؤوسهن الأكاليل من الذهب والجواهر المرصعة، وفي آذانها الأقراط الثقال. ولونت أجسامها بأصناف تشبه الثياب من الأصباغ العجيبة فكان هذا القصر من أعجب ما بني في الدنيا..
«وجعل بين يدى هذا القصر فسقية ملأه زئبقًا، وكان طولها خمسين ذراعًا، وعرضها كذلك، وملئت بالزئبق، وقد أنفق على ذلك أموالا عظيمة، وكان الأطباء هم الذين أشاروا عليه بعملها حتى يتغلب على الأرق الذى كان يعيبه، فكان ينام على حشية تملأ بالهواء وتوضع على الزئبق فتظل تتأرجح، وهو فوقها في هوادة ولين حتى يدركه النوم..
وكان لبركة الزئبق فى الليالي المقمرة منظر عجيب وقد ظل الناس يستخرجون الزئبق كلما حفروا في الأرض بعد خراب هذه البركة بزمن طويل..
وهكذا يعتبر عهد خماروية ذروة ما وصلت إليه الدولة الطولونية من القوة والسيادة في شتى الميادين، سواء ميادين الفتح والغزو أو اتساع رقعة الحكم والنفوذ، أو فرط الغنى والإسراف ومظاهر الترف..
وحسبه أنه فاق أباه فى علاقته بالخليفة، فحيث كان أبوه ينظر للخليفة نظرة التقديس، فقد نظر خمارويه إلى الخليفة نظرته إلى زوج ابنته..
غير أن خماروية لم يلحق أباه فى التقوى والورع والاهتمام بالعلم والأدب وكان نقطة الضعف فى سيرته هي حياته الشخصية التي أدت إلى نهايته المفجعة..
وقد ذبح خماروية على فراشه فى قصره الذي أنشأه في دمشق بسفح جبل قاسيون، أما سبب ذبحه فقد ترددت فيه شتى الأقاويل، وأظهر الروايات ان بعض خدمه أولع بجارية له فهددها خماروية بالقتل فاتفقت مع عشيقها على قتله، فتعاون مع بقية الخدم على فعلته..
وكان الأمير طفج بن جف مع خماروية فى هذه الليلة فلما بلغه الخبر قبض على خدم القصر وكانوا نيفًا وعشرين فذبحهم وصلبهم، وحمل خماروية فى تابوت إلى مصر، فكان لدخوله يوم عظيم إذ استقبله الجواري والغلمان بالصراخ والنحيب وشقوا عليه الثياب، ويقول الكندى - كتاب ولاة مصر - إن الذين قتلوه قتلوا جميعًا، وحملت رؤوسهم إلى الفسطاط، فجعلت على الجسر، وكانت مدة ملكه على مصر والشام اثنتى عشرة سنة وأيامًا..
وحكم بعده ابنه أمير الجيوش ابن العساكر جيشًا ولم يكن عمره يوم ولى الحكم أكثر من أربعة عشر عامًا، فأقام بدمشق ثم عاد إلى مصر، وأقبل على الشراب واللهو ومخالطة العامة والأوباش ممن يحملون الحجارة الثقال، فحسنوا له قتل عمه فقبض عليه وأودعه السجن، فكان طبيعيًا أن ينقم عليه الناس، وطالبه الساخطون من رجال الجيش، باعتزال الحكم ليولوا عمه نصرًا بدلا منه، فما كان إلا أن ذهب إلى عمه فى السجن وأمر بقطع رقبته، وبقتل عمه الآخر، وقذف برأسيهما إلي المتمردين قائلا: هذا هو أميركم.
فأهاج هذا الصنيع الجند فهجموا عليه وقتلوا أمه معه، ونهبوا داره وأحرقوها بعد ستة شهور هي مدة حكمه..
ونتوقف عند زواج «أسماء» ابنه خماروية.. بالخليفة السياسي المعتضد ورحلتها مع القطائع إلى بغداد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.