‏إظهار الرسائل ذات التسميات الجمهورية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الجمهورية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 28 مارس 2025

عفوًا.. الفانوس مصرى.. والمسحراتى أيضًا

عفوًا.. الفانوس مصرى.. والمسحراتى أيضًا

بقلم: عبد الله إمام

الجمهورية الخميس 14 نوفمبر 2002م - 9 رمضان 1423هـ


حدث تغير طفيف في الاحتفال بشهر رمضان على طول العهود الإسلامية التى مرت بمصر، وظلت أغلب العادات والمأكولات كما هي الكنافة هي الكنافة.. والقطايف هى القطايف، والفانوس هو الفانوس ويرجع البعض حكاية فانوس رمضان الشهير بمصر إلى العصور الإسلامية الأولى، عندما كان الفانوس ضرورة الوسيلة الوحيدة للإضاءة خاصة في ليالى يكثر فيها الخروج بالليل للسهر أو لتبادل الزيارات وقد توارث الأطفال هذه العادة واستمرت حتى اليوم.


ويروى أن المعز لدين الله الفاطمى دخل القاهرة ليلا في الخامس من رمضان فاستقبله الأهالي جميعهم بالمشاعل والفوانيس.. وبعدها حمل الأطفال الفوانيس وراحوا يطوفون فى الشوارع يطالبون بالحلوى وبالهدايا.. فرمضان هو شهر البذل والعطاء.. وكان الشعراء يقضون الليل في مساجلات شعرية أشهرها ما دار حول الفوانيس.

وكان بعض العلماء قد اقترح على السلطان برسباي المملوكي عدم إطفاء القناديل فى رمضان إلا قبيل طلوع الفجر إعلانًا بانتهاء فرصة تناول السحور..

وكان الذين يخرجون لرؤية هلال رمضان إذا ثبت لهم الرؤية يعودون بعد صلاة المغرب يحملون الشموع والفوانيس.. فيعرف الناس أن الرؤية ثبتت وأن بداية الصوم ستكون فى اليوم التالي وعندما يشعل التجار أيضا الشموع ويوقدون الفوانيس بمحلاتهم. ويتحول الليل إلى نهار من كثرة الفوانيس التى تضاء في جميع المساجد والطرقات.. ويدق الناس الطبول، وترتفع نغمات الغناء.. ولا ينام أحد..

ويقول الدكتور محمد سعيد عاشور أن فابر الرحالة الأجنبي الذي زار مصر سنة 1483 دهش ليلة دخوله القاهرة لكثرة الأنوار والمشاعل في الطرقات والفوانيس المختلفة الأشكال والألوان التى يحملها الكبار والصغار، ولما استفسر عن سبب هذه الضجة قيل له أنه شهر رمضان وأن المسلمين يحتفلون به على هذا النحو..

كانت الفوانيس تُضاء بالشموع وكان هناك سوق لبيع الشموع هو سوق الشماعين ويقول المقريزى أن «هذا السوق من الجامع الأقمر الى سوق الدجاجين - لبيع الدجاج - كان يعرف فى الدولة الفاطمية بسوق القماحين وعنده بنى المأمون ابن البطائحى الجامع الأقمر باسم الخليفة الآمر بأحكام الله وبنى تحت الجامع دكاكين ومخازن من جهة باب الفتوح، وأدركت سوق الشماعين من الجانبين معمور الحوانيت بالشموع الموكبية والفانوسية والطوافات لا تزال حوانيته مفتحة إلى نصف الليل، وكان يباع في هذا السوق فى كل ليلة من الشمع وقد خرب ولم يبق به إلا نحو الخمس حوانيت بعدما أدركتها تزيد على عشرين حانوتًا وذلك لقلة ترف الناس وتركهم استعمال الشمع وكان يعلق بهذا السوق الفوانيس في موسم الغطاس فتصير رؤيته فى الليل من أنزه الأشياء وكان به في شهر رمضان موسم عظيم لكثرة ما يشترى ويكترى من الشموع الموكبية التي تزن الواحدة منها عشرة أرطال فما دونها ومن المزهرات العجيبة الزي المليحة الصنعة ومن الشمع الذي يحمل على العجل ويبلغ وزن الواحدة منها القنطار وما فوقه كل ذلك برسم ركوب الصبيان لصلاة التراويح فيمر في ليالي شهر رمضان من ذلك ما يعجز البليغ عن حكاية وصفه وقد تلاشى الحال في جميع ما قلنا لفقر الناس وعجزهم..

وكان الاحتفال بليل رمضان فى المساجد بقراءة صحيح البخاري فقد جرت العادة أن يبتدأ بقراءة البخارى فى أول يوم من شهر رمضان بين يدى السلطان ويحضره طائفة من قضاة القضاة والفقهاء ولم يزل الأمر على ذلك حتى تسلطن المؤيد شيخ فجعل قراءة البخارى بالقلعة تبدأ من أول شعبان وتستمر حتى السابع والعشرين من رمضان وزاد السلطان شيخ على ذلك أن دعا لحضور ذلك المجلس جمعًا كبيرًا من مشايخ العلم والطلبة حتى زاد عددهم سنة 819 على ستين فقيهًا «طرف لكل منهم ألف درهم فلوسا» وكانت تدور فى هذه المجالس بحوث ربما اشتدت فيها المناقشات والجدل حتى يسيء بعضهم إلى بعض فينقلب المجلس إلى صياح وشتائم مما جعل المقريزى يصف هذه المجالس بأنها «منكر في صورة معروف ومعصية فى زى طاعة» نظرًا لما تثيره من حزازات بين رجال العلم والدين وقد عالج السلطان جقمق هذا الإشكال سنة 842 بأن منع الحاضرين من البحث وحرم عليهم المناقشة أثناء المجلس «فانكفوا عن ذلك والحمد لله فإذا تم ختم البخارى - وذلك عادة في الثلث الأخير من شهر رمضان - احتفل السلطان بذلك فترسل الخلع الى القضاة والعلماء والفقهاء وتوزع الصرر..

والمسحراتى أيضا وظيفة قديمة وتختلف طريقة التسحير ففي القاهرة يطوف المسحراتى بالطبلة البيوت ويضرب عليها وفى الإسكندرية يدق الأبواب على السكان ويناديهم باسمهم وكان والى مصر عنبسه بن اسحق يذهب إلى جامع عمرو ماشيًا من مدينة العسكر وينادي في طريقه بالسحور.

وكان المؤذنون يقومون من فوق المآذن بتذكير القيام بالسحور ويقول د. حسن عبد الوهاب أن ابن الحاج العالم المتزمت فى القرن الثامن الهجرى أنكر كثيرًا من التقاليد الخاصة بشهر رمضان ومنها التسحير فقال: إن المسلمين عرفوا التسحير منذ صدر الاسلام إذ كانوا يعرفون جواز الأكل بأذان بلال ومنعه بأذان ابن مكتوم.. ومن رأيه السير على تلك السنة أى أن يكون في المساجد آذانان بشرط تميز صوت الأول عن الثاني، فقد جرت العادة أن المساجد الكبيرة يكون فيها أكثر من مؤذن.. ثم ذكر أن التسحير فى الديار المصرية بأن يقول المؤذن: تسحروا.. كلوا واشربوا.. ويسحرون أيضًا بالطبلة يطوف بها المسحر على البيوت ويضرب عليها أما أهل الإسكندرية وأهل اليمن فيسحرون بدق الأبواب على أصحاب البيوت أما أهل الشام فإنهم يسحرون بعزف الآلات الموسيقية والغناء وفي المغرب يفعلون قريبًا مما يفعل أهل الشام.. وقد أنكر ابن الحاج أيضا تعليق الفوانيس التى جعلوها علمًا على جواز الاكل والشرب ما دامت معلقة موقودة على المنارات وعلى تحريم ذلك إذا أنزلوها».


صورة من المقال:



الخميس، 27 مارس 2025

عفوا.. قطر الندى.. وزواج الصفقة

عفوا.. قطر الندى.. وزواج الصفقة

بقلم: عبد الله إمام

الجمهورية الخميس 16 مايو 2002م - 4 ربيع الأول 1423هـ


في إطار الصفقات السياسية أغرق خمارويه أحمد بن طولون الخليفة العباسي بالهدايا، وأرسل إليه وفدًا يحمل أغلى هدية عنده، كسبًا لوده، ولمد جسور الصداقة، والقضاء على الفجوة السابقة.. وكان الوفد الذاهب إلى بغداد يحمل عدا الهدايا التي تعود أن يبعث بها منذ فترة.. هدية أخرى غالية هى عرض يقدمه خمارويه من القطايع الى الخليفة في بغداد.. العرض أن يزوج خمارويه ابنته أسماء.. إلى ابن الخليفة العباسي عملا بالمثل الشعبي «أن يخطب الرجل لابنته، ولا يخطب لابنه» ولم تكن هذه الرؤية هي الحقيقة.. فقد كان الأمر فقط صفقة سياسية بدليل ما اتبع بعد أن تم الزواج فى إطار هذه الصفقة.


ونعود أولا إلى مقدمات الصفقة وأسبابها وهى العلاقة المتوترة بين أحمد بن طولون، وبين الخلافة العباسية، عندما قرر ابن طولون أن يستقل بمصر عن هذه الخلافة.

وكان أحمد بن طولون قد بدأ يصعد نجمه، وسلطانه يمتد حتى هدد بغداد بعد استقراره بالشام.. ويبدو أنه وضعت خطة لغزو «مملكة» أحمد بن طولون من الداخل عن طريق ابنه العباس، ووفقا لأحمد حسين - موسوعة تاريخ مصر - فإن أحمد بن طولون كان يتجه الى الشرق غازيًا عندما انتهز ابنه فرصة عدم وجود أبيه، وأعلن أنه خلعه.. وتولى الحكم بدلا منه، والتف حوله بعض القادة والحاشية والمنتفعين.. وعندما سمع أحمد بن طولون ما فعله ابنه، عاد الى مصر.. ولم يستطع الولد أن يواجه أباه، وخاف، وهرب الى الإسكندرية وبرقة أملا أن يستقل بهما، ويكون ملكًا عليها، وكان معه عشرة آلاف جندي سوداني وثمانمائة فارسى، وأخذ معه كل ما في بيت المال من أموال وما فى مخازن الحرب من أسلحة.

في المواجهة هزم العباس واقتادوه هو ومن معه أسرى، وقتل أحمد بن طولون الكثير من القواد الذين حرضوا ابنه عليه.. أما العباس نفسه فقد جلد مائة سوط، ووضع فى السجن، وظل سجينًا حتى قتله أخوه خمارويه، عندما رفض مبايعته.

لم يكن أخو الخليفة العباسى «الموفق» راضيًا عن أحمد بن طولون، وكان يتحين الفرص للقضاء عليه.. وبدأ يتحرش به، وطلب من أحمد بن طولون أن يبعث إليه بأموال، حتى يستعين بها في حروبه، فأرسل له أحمد بن طولون مليونا ومائتي ألف دينار، ورأى «الموفق» أن المبلغ قليل جدًا، فأرسل إليه بكتاب أظهر له فيه الجفاء، فاستاء منه أحمد بن طولون وبعث إلى «الموفق» برد من أروع الوثائق التي تكشف عن شخصية أحمد بن طولون حرصه على كرامته واستقلاله، حتى ليشتد على «الموفق» ويهدده من طرف خفى.

وكان «الموفق» يقود حربًا ضد ثورة الزنج.. بينما المعركة محتدمة بينه وبين أحمد بن طولون.

خطا أحمد بن طولون خطوة جديدة تأكيدًا لاستقلاله وتدعيمًا لسلطانه فجعل من نفسه مُدافعًا عن حقوق الخلافة بالسيف وقوة السلاح، فأعلن على الملأ أن «الموفق» يسيء معاملة أخيه الشرعى وأنه يستبد بالملك، وكتب إلى الخليفة يطلب منه أن يأتى الى مصر، وهذا الخطاب يكشف سياسة أحمد بن طولون ورغبته في تحويل الخلافة إلى مصر لتكون تحت سلطانه وقال في خطابه «لقد منعنى الطعام والشراب خوفى على أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه، من مكروه يلحقه، وقد اجتمع عندى مائة ألف مؤلفة قلوبهم، ومجتمعة آراؤهم شديد بأسهم، وأنا أرى سيدى أمير المؤمنين - أدام الله عزه بالنصر والتمكين - الانحداب إلى مصر، فإن أمره يرجع بعد الامتهان إلى نهاية العز، ولا يكن ما يخافه فى كل لحظة منه إليه».

وقد رحب الخليفة بهذه الدعوة واستجاب لها، وتوجه بالفعل نحو الرقة متظاهرًا بالصيد ليقابل أحمد بن طولون الذى كان قد سار على رأس جيشه إلى الشام، ولكن أخو الخليفة علم ما اعتزمه الخليفة المعتمد فأرسل الى أمير الموصل يأمره برد الخليفة إلى سامرا، ونفذ الأمر وقبض على الخليفة ومن معه وأعادهم مقبوضًا عليهم.

ورد ابن طولون على هذا الإجراء العنيف الذي اتخذ ضد الخليفة بإجراء لا يقل عنفًا، فعقد مؤتمرًا من الفقهاء والقضاة في دمشق، واستصدر من المجتمعين قرارًا بخلع الموفق من ولاية العهد لأنه نقض البيعة بعدوانه على الخليفة، وبعث بهذا القرار إلى كل المدن والى العواصم التابعة له ليتلى على المنابر كما أمر بإسقاط اسمه من الخطب، ومحو اسمه من الطرز ورد الموفق على قرار خلعه، فأمر عماله وولاته بلعن أحمد بن طولون على المنابر وكانت صيغة اللعنة: «اللهم العنه لعنا يفل من حده ويتعس جده، واجعله مثلا للغابرين انك لا تصلح عمل المعسكرين».

أدت هذه الإجراءات إلى تقوية مركز أحمد بن طولون.. ورأى الموفق أن يخفف من حدة الصدام، وأن يساير ابن طولون، فبدأ بإطلاق سراح الخليفة المعتمد الذى كان مسجونًا، ووسط بعض من يكاتب ابن طولون للتقريب بينهما، وكان ابن طولون يحرص على الوفاق، والتقت رغبة الطرفين على التصالح، وخرج ابن طولون من هذا الصراع منتصرًا في تأكيد سلطانه الفعلي، ولكنه ظل يعترف بالتبعية الروحية للخلافة، وكان التفكير على غير هذا النحو صعبًا في ذلك الوقت.

في ظل هذا التوتر، مات أحمد بن طولون، وجاء ابنه خماروية، وكان خماروية الذي قاد حروبًا فيما قبل وفيما بعد راغبًا في إنهاء هذا التوتر.. ومن هنا.. جاء ما يمكن أن يسميه زواج الصفقة السياسية.. بين القطائع وبغداد، فقد رأينا السياسة تتدخل فى كل شيء، وتسخر لجميع الأغراض.. حتى جاء الدور على ابنة حاكم مصر «قطر الندى» لتدفع نصيبها.

وكانت قطر الندى عندما بدأت حكايتها طفلة في التاسعة من عمرها.. وتم زفافها عندما بلغت الثانية عشر عاما، إذ مضت تلك السنوات الثلاث في الإعداد لهذا الزواج الأسطوري.

وقد بدأت فكرة هذا الزواج عندما أرسل خمارويه وفدًا يحمل هداياه إلى الخليفة، في محاولة تلطيف الأجواء لإذابة الجليد بينهما.. وقد هداه تفكيره أن يحمل الوفد معه عرضًا جديدًا يُدعم نفوذه، ويمتد به إلى مناطق أخرى بمباركة من الخليفة.. العرض الذي حمله الوفد للخليفة المعتضد في بغداد أن خمارويه يعرض ان يزوج ابنته «أسماء» الى ابن المعتضد.

وفكر الخليفة الكهل فى العرض، ودون أن يعرف «أسماء» التي أطلق عليها فيما بعد اسم «قطر الندى».. ثم تساءل ولماذا.. لا أتزوجها أنا.. انني أريدها زوجة لى.. وسأدفع لها صداقا قدره ألف ألف درهم.

يقول ابو العباس - كتاب النجوم الزاهرة - «أن رسول الخليفة قدم على خمارويه يحمل اثنتى عشرة خلعة، وسيفًا وتاجًا ووشاحًا، وعرض خمارويه زواج ابنته «أسماء» التي تلقبت بقطر الندى إلى ابن الخليفة العباسي، ولكن المعتضد رد قائلا: أتزوجها أنا».

وعاد الوفد يحمل هذه المفاجأة لخمارويه، ففرح، وقرر أن يتم هذا الزواج الصفقة بسرعة..

وعاد الوفد يحمل الموافقة، ويقوم بعقد القرآن.. وعهد إلى من يتفرغ لوضع ترتيبات هذا الزواج بحيث يكون أسطوريًا.

وكلف من يقوم بإعداد جهاز ابنته، وكان فى جهازها أربعة آلاف تكة مجوهرة، وعشرة صناديق جوهر ومائة هون.

وذكر المقريزى «الخطط جـ 1» أنه لم يبق خطيرة، ولا طرفة من كل لون وجنس إلا حملته معها فمن هذا الجهاز دكة - مقعد - من أربع قطع من الذهب عليها قبة من الذهب عليها قبة من ذهب مشبك، في كل عين من التشبيك قرط معلق فيه حبة من الجرجر لا يعرف لها قيمة، ومائة هون من الذهب لدق الطيب، وألف تكة ثمن الواحدة منها عشرة دنانير وقد أمر خمارويه بعد أنه فرغ من الجهاز بأن يبنى لابنته على رأس كل مرحلة أشبه بالمنزل أو مكان للاستراحة تنزل فيه وهى فى طريقها الى بغداد وأعدت هذه القصور بكل ما تحتاج اليه.

وذكر ابن خلكان - جـ 1 - أن صداقها كان مليون درهم.. وليس هذا بكثير بجانب ما أنفق في جهازها حتى ان ابن الجصاص الذي أشرف على اعداد الجهاز كانت مكافأته أربعمائة ألف دينار».

وذكر ابن دقماق أنه حمل معها مالم ير مثله، ولا سمع به إلا فى وقته.

ويقول أحمد حسين - موسوعة تاريخ مصر - أنه أقيم لقطر الندى عند وصولها إلى بغداد حفلة زفاف تتناسب وما أحاطها أبوها من دوى، فكانت حفلة على ما يقول المؤرخون لم تشهد لها بغداد مثيلا من قبل.. وقد فرح الخليفة بعروسه فرحًا منقطع النظير، وأحبها حبًا شديدًا لجمال صورتها ووفرة أدبها، وإن كانت سنها عندما دخل بها لم تكن تزيد على اثنتى عشرة سنة، وكان خمارويه يخطط لهذا الزواج لمشروعات سياسية واسعة المدى، ولكن سر هذه المشروعات قد طوى فى نفسه.. فلن يلبث أن يموت».

ويقول ابن اياس - بدائع الزهور جـ1 - أن قطر الندى خرجت من مصر إلى بغداد وكان معها من القماش والأواني مالا يحصر، حتى قيل نقل جهازها من مصر إلى بغداد في ستة أشهر، وقيل أن المعتضد وضع يومًا رأسه في حجرها ونام فلما غرق فى النوم، تلطفت به حتى أزالت رأسه من حجرها، ووضعتها على وسادة، فلما تنبه من منامه، ناداها فأجابته من مكان قريب فقال لها: «لقد سلمت نفسى اليك، ونمت على حجرك فتركتيني ومضيت عنى، أكليت منى؟».

فقالت: «والله لم أكن كليت من أمير المؤمنين أن مما أدبنى به والدى ألا أجلس مع النيام، ولا أنام مع الجلوس».

وقد كسب خمارويه ود المعتصم بهداياه، فأقره على ولاية البلاد الممتدة من الفرات وبرقة ثلاثين سنة، وجعلها لأولاده من بعده.

ماذا بقى من الوسائل لم يستخدمه الخلفاء، لتدعيم نفوذهم السياسي. حتى الآن رأينا أساليب مختلفة.. ولكن الجعبة لم تفرغ بعد.. فمازال فيها الكثير.


صورة من المقال:



الأربعاء، 26 مارس 2025

عفوًا.. القتل.. بسبب جارية

عفوًا.. القتل.. بسبب جارية

بقلم: عبد الله إمام

الجمهورية 9 مايو 2002م - 26 صفر 1423هـ


قبل حكاية قطر الندى الذى رأى البعض أن زواجها كان مؤامرة مدبرة من الخليفة المعتضد لتدمير الاقتصاد المصرى، ولم يكن الأمر في حقيقته على هذا النحو، فقد كان الزواج صفقة بين القطايع وبغداد كل من الطرفين سعى من خلاله لتدعيم نفوذه على الجانب الآخر، وامتداد هذا النفوذ وتدعيمه وإخضاع الطرف الآخر لسيطرته..

ولقد بدأت القصة من أولها بمحاولة الاستقلال بمصر عن الخلافة العباسية.. في ظل ما يُطلق عليه المؤرخون اسم الدولة الطولونية التي لم تعش طويلا..

تولى «باكباك» أحد القادة الأتراك إمارة مصر، فأناب عنه الشاب التركي ابن زوجته أحمد بن طولون، وكان أبوه طولون أحد موالى نوح بن سد عامل بخاري و خراسان، فأهداه نوح إلى الخليفة المأمون فرباه مع الأمراء.. وولد له ابنه أحمد فى مدينة «سرمن راى» فاهتم به، حفظ القرآن واتقنه، وكان يرتله بصوت جميل، بالإضافة إلى اتقانه بقية علوم الدين الأخرى، ولما مات طولون ترك الخليفة المتوكل لابنه أحمد ما كان لأبيه من أعمال وامتيازات، وراح الابن يتدرج في شتى الوظائف إلى أن تولى امرة الثغور ثم كان أميرًا على دمشق وأخيرًا على ديار مصر..

وأثناء تساقط الخلفاء العباسيين، كان أحمد بن طولون يوطد حكمه في مصر، فبعد أن قتل «باكباك» الذى ولاه مصر دون الإسكندرية، جاء بدلا منه أميرًا على مصر والد زوجته «ياركوج » فأطلق يديه، وضم إلى سلطانه الإسكندرية ومناطق أخرى، وبدأ نهضة من بينها أعمال صناعية أغلبها تتعلق بالسفن والموانئ، وعندما أرسل له الخليفة العباسى يطلب الخراج اعتذر لأن الخراج ليس بيده فولاه الخليفة على خراج مصر والشام، وبذلك جمع بين السلطة التنفيذية والمالية، وعندما استنجد به الخليفة ضد عامله في فلسطين، كانت فرصته لتكوين جيش قوى، يضم الأتراك والعرب والمصريين والسودانيين...

ويقول ابن اياس أن «أحمد بن طولون توجه على سبيل التنزه نحو الأهرام فينما هو راكب، إذ غاصت قوائم فرسه في الأرض، فأمر بكشف ذلك المكان فلما كشف، فإذا هو كنز فيه دنانير ذهبًا، كل دينار قدر الرغيف، ووجد به إنسان ميت، فكان طول كل عظمة من أضلاعه أربعة عشر شبرًا، وعرضه نحو شبر، ثم أن الأمير أحمد نقل ذلك المال إلى خزانته..

وقد أرسل أحمد بن طولون جثة هذا الميت إلى بغداد، حتى يشهدها الخليفة فلما ظفر بهذا الكنز اتسع حاله واستكثر من شراء المماليك حتى بلغ عددهم أربعة وعشرين ألفًا، واشترى من الزنج حتى بلغ عددهم أربعين ألفًا ولما كثرت عساكر الأمير ضاقت بهم مدينة الفسطاط فبنى مدينة شرق الفسطاط وسماها «القطائع» وكانت ميلا فى ميل، وعرضها من قطر السباع الى جبل المقطم»..

وأقام فى القطائع مسجده الكبير الذى لا يوجد له نظير في اتساعه في أرجاء العالم الإسلامي - باستثناء الحرم المكى - وهو منفرد بين المساجد فلم تستعمل في بنائه الأعمدة الرخامية والجرانيتية، وقيل أن المهندس الذي صممه وأشرف على تنفيذه وهو سعيد بن كاتب الطرغانى ابتكر هذا الأسلوب الفريد بغير حاجة إلى الأعمدة التقليدية، ومئذنة المسجد تدور سلالمها حوله من الخارج على خلاف المألوف فى كل المآذن التي أنشئت في مصر من قبل ومن بعد، وقد منح المهندس الذي صممه عشرة آلاف دينار مكافأة على عمله..

ولم يستطع المعاصرون لأحمد بن طولون أن يدركوا كيف استطاع أن يدبر الأموال اللازمة لبناء هذا الصرح الضخم، فقالوا أنه عثر على كنز به مليون دينار..

ويقول ابن اياس أن الناس رفضوا أن يُصلوا فى هذا المسجد على اعتبار أنه بُنى من أموال حرام لكثرة ما أنفق عليه، فصعد أحمد بن طولون المنبر، وأقسم أنه بُنى من مال حلال وشرح حكاية الكنز، واعترض الناس على ضيق القبلة، فصعد المنبر مرة أخرى، وقال أنه رأى النبى «صلى الله عليه وسلم» في المنام يصف له هذه القبلة لهذا المسجد ونفذها وفقًا لما أشار اليه الرسول في المنام..

وأقام إلى جانب المسجد، بيمارستان - مستشفى - لمعالجة المرضى وإيواء العجزة، وجعله خالصًا للشعب، ومنع ارتياده على الجند والمماليك..

أصابت أحمد ابن طولون لعنة الفراعنة، يقول جامع السيرة الطولونية، أنه كان بمدينة عين شمس صنم مُحكم الصناعة، على قدر خلق الرجل المعتدل القامة يكاد ينطق، فقصد الأمير أحمد أن ينظر إليه، فنهاه أحد الكهان عن رؤية هذا الصنم، وقال: يا أيها الأمير لا تنظر إلى هذا الصنم، فما نظر إليه أحد من ولاة مصر إلا وعزل فى عامه.. فلم يعبأ بهذا الكلام، وركب وتوجه إلى ذلك الصنم، ورآه ثم أنه أمر بقطعه فقطع... لم يبق له أثر، فلما رجع أصيب بالحمى ولزم الفراش، فبقى فى المرض نحو عشرة أشهر واضطربت خلالها الأحوال في مصر، حتى خرج الناس قاطبة إلى الصحارى، وفعلوا كما يفعلون في الاستسقاء، فخرجوا حُفاة، وعلى رؤوسهم المصاحف، وخرج اليهود وعلي رؤوسهم التوراة، وخرج النصارى وعلى رؤوسهم الأناجيل، وخرج الأطفال من المكاتب، وعلى رؤوسهم الألواح، وخرج العلماء والزهاد، ودعوا له إلى الله تعالى بالعافية والشفاء، فلم يفد ذلك شيئًا، فاستمر مريضًا حتى مات، وعمره خمسون عامًا، وقد حكم ست عشرة سنة وشهرًا، وخلف ثلاثة وثلاثين ولدًا ومنهم سبعة عشر ذكرًا.. ويقول ابن اياس.. ان أحمد بن طولون كان سخى النفس ومُنقادًا إلى الشريعة ويحب العلم مُتصدقًا ومُتواضعًا ويُصلى على من يموت من أهل مصر غنى أو فقير، وكان له اشتغال بالعلم وطلب الحديث، ومع ذلك كان شديد الغضب، وسيئ الخلق وسفاكًا للدماء، إذا قدر لم يعف حتى أنه مات وفى حبسه ثماني عشر ألف إنسان..

وجاء من بعده ابنه خماروية.. ويقول أبو المحاسن.. لما ملك خماروية الديار المصرية بعد موت أبيه أقبل على عمارة قصير أبيه وزاد فيه محاسن كثيرة، وأخذ الميدان الذى كان لأبيه المجاور للجامع، فجعله كله بستانًا وزرع فيه أنواع الرياحين وأصناف الشجر، وحمل كل صنف من الشجر المطعم وأنواع الورود، وزرع فيه الزعفران، وكسا أجسام النخل نحاسًا مُذهبا حسن الصنعة، وجعل بين النحاس وأجسام النخل، مزاريب الرصاص وأجرى فيها الماء بتدبير معين، فكان الماء يخرج من تضاعيف قوائم النخل على شكل عيون فينحدر إلى مساق معمولة، ويفيض الماء منها إلى مجار تسقى سائر البستان وغرس أرض البستان من الريحان المزروع على صورة نقوش معمولة وكتابات مكتوبة يتعهدها البستاني بالمقاريض حتى لا تزيد ورقة على ورقة..

ووفقًا لأحمد حسين - موسوعة تاريخ مصر.. فقد كان له في هذا البستان مجلس سماه دار الذهب إذ طليت حيطانه كلها بالذهب، واللازورد في أحسن نقش، وجعل فى حيطانه مقدار قامة ونصف صور بارزة من خشب معمول على صورته «أى صورة خماروية»، وصور حظاياه والمغنيات اللاتي تغنينه في أحسن تصوير وأبهج تزويق، وجعل على رؤوسهن الأكاليل من الذهب والجواهر المرصعة، وفي آذانها الأقراط الثقال. ولونت أجسامها بأصناف تشبه الثياب من الأصباغ العجيبة فكان هذا القصر من أعجب ما بني في الدنيا..

«وجعل بين يدى هذا القصر فسقية ملأه زئبقًا، وكان طولها خمسين ذراعًا، وعرضها كذلك، وملئت بالزئبق، وقد أنفق على ذلك أموالا عظيمة، وكان الأطباء هم الذين أشاروا عليه بعملها حتى يتغلب على الأرق الذى كان يعيبه، فكان ينام على حشية تملأ بالهواء وتوضع على الزئبق فتظل تتأرجح، وهو فوقها في هوادة ولين حتى يدركه النوم..

وكان لبركة الزئبق فى الليالي المقمرة منظر عجيب وقد ظل الناس يستخرجون الزئبق كلما حفروا في الأرض بعد خراب هذه البركة بزمن طويل..

وهكذا يعتبر عهد خماروية ذروة ما وصلت إليه الدولة الطولونية من القوة والسيادة في شتى الميادين، سواء ميادين الفتح والغزو أو اتساع رقعة الحكم والنفوذ، أو فرط الغنى والإسراف ومظاهر الترف..

وحسبه أنه فاق أباه فى علاقته بالخليفة، فحيث كان أبوه ينظر للخليفة نظرة التقديس، فقد نظر خمارويه إلى الخليفة نظرته إلى زوج ابنته..

غير أن خماروية لم يلحق أباه فى التقوى والورع والاهتمام بالعلم والأدب وكان نقطة الضعف فى سيرته هي حياته الشخصية التي أدت إلى نهايته المفجعة..

وقد ذبح خماروية على فراشه فى قصره الذي أنشأه في دمشق بسفح جبل قاسيون، أما سبب ذبحه فقد ترددت فيه شتى الأقاويل، وأظهر الروايات ان بعض خدمه أولع بجارية له فهددها خماروية بالقتل فاتفقت مع عشيقها على قتله، فتعاون مع بقية الخدم على فعلته..

وكان الأمير طفج بن جف مع خماروية فى هذه الليلة فلما بلغه الخبر قبض على خدم القصر وكانوا نيفًا وعشرين فذبحهم وصلبهم، وحمل خماروية فى تابوت إلى مصر، فكان لدخوله يوم عظيم إذ استقبله الجواري والغلمان بالصراخ والنحيب وشقوا عليه الثياب، ويقول الكندى - كتاب ولاة مصر - إن الذين قتلوه قتلوا جميعًا، وحملت رؤوسهم إلى الفسطاط، فجعلت على الجسر، وكانت مدة ملكه على مصر والشام اثنتى عشرة سنة وأيامًا..

وحكم بعده ابنه أمير الجيوش ابن العساكر جيشًا ولم يكن عمره يوم ولى الحكم أكثر من أربعة عشر عامًا، فأقام بدمشق ثم عاد إلى مصر، وأقبل على الشراب واللهو ومخالطة العامة والأوباش ممن يحملون الحجارة الثقال، فحسنوا له قتل عمه فقبض عليه وأودعه السجن، فكان طبيعيًا أن ينقم عليه الناس، وطالبه الساخطون من رجال الجيش، باعتزال الحكم ليولوا عمه نصرًا بدلا منه، فما كان إلا أن ذهب إلى عمه فى السجن وأمر بقطع رقبته، وبقتل عمه الآخر، وقذف برأسيهما إلي المتمردين قائلا: هذا هو أميركم.

فأهاج هذا الصنيع الجند فهجموا عليه وقتلوا أمه معه، ونهبوا داره وأحرقوها بعد ستة شهور هي مدة حكمه..

ونتوقف عند زواج «أسماء» ابنه خماروية.. بالخليفة السياسي المعتضد ورحلتها مع القطائع إلى بغداد.


صورة من المقال:


الاثنين، 24 مارس 2025

عفوًا.. دولة.. بحد السيف

عفوًا.. دولة.. بحد السيف

بقلم: عبد الله إمام

الجمهورية الخميس 24 يناير 2002م - 15 ذو القعدة 1422هـ


كان قد مضى ما يقرب من قرن ونصف القرن علي هجرة الرسول تولى خلالها أمر المسلمين الخلفاء الراشدون.. وامتدت في عهدهم الفتوحات الإسلامية.. حتى انتهت الخلافة الراشدة نهاية مأساوية.. وقامت دولة حكمت تحت شعارات إسلامية، وابتعدت في جوهرها عن الإسلام.. وكانت نهايتها مأساوية أيضا.. عندما ظهر في الأفق العباسيون أقرب الناس إلى الرسول... والعلويون سلالة على بن أبي طالب الذين ضعفت شوكتهم، وتمزقوا إثر المحن التي عاشوها طوال عهد الدولة الأموية..


وقد بدأت الدولة الأموية تضعف، وتخف قبضتها فى عهد عمر بن عبد العزيز فأخذت قوى المعارضة تتنفس، وسرعان ما تحركت، وتنظمت في خلايا سرية شديدة الدقة..

وقد اختارت هذه التنظيمات أن تبدأ في منطقة نائية بعيدة عن الأعين والمتابعة وهي خراسان، وقد استغلت حبها لأهل البيت عمومًا، وتشيعها لعلي، وهم يذكرون أن الحسين قد تزوج من فارسية هي إبنة آخر ملوك آل ساسان فهم بذلك يكونون من سلالة الرسول وآل ساسان معًا، وأنهم يعانون من الأمويين الذين فرقوا بين العرب وغيرهم من المسلمين على غير القاعدة الإسلامية أنه لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى..

وقد بدأ التنظيم السرى بالدعاة الذين كانوا يطوفون بالولايات الإسلامية متنكرين وراء أعمال التجارة، وكان لكل داعية اثنى عشر نقيبًا يختارهم بنفسه، ولكل واحد منهم مجموعة من الأتباع والمريدين يصل عددهم إلى سبعين فردًا.. وانتشرت مجموعات وخلايا المريدين في كل المناطق وكلما انكشف واحد منهم تكاتفوا بضمانته، وإبعاد الشبهة عنه، وسجن بعضهم وعذبوا، ولكنهم لم يبوحوا بسر التنظيم..

وسط هذا الاضطهاد ظهر دور أبو مسلم الخراساني في التعبئة والاتصال والتنظيم، وكانت الدولة الأموية فى أضعف حالاتها.. واستغل أبو مسلم كل هذه العوامل وأضاف إليها سعيه للتفريق بين القبائل العربية وتمزيق وحدتها واتخذت الدعوة الجديدة طابعًا مختلفًا، هو الحرب أو الاستعداد لها.. وابو مسلم فارسى من الرقيق شديد الذكاء، أعتق وانضم إلى العباسيين، ولعب دورًا هامًا حتى ذاع صيته، وسوف نري أن الدولة الجديدة قد وقعت في نفس خطأ الأمويين بطريقة عكسية، فقد قربت أيضًا جانبًا من المسلمين، وأبعدت الجانب الآخر.. هذه المرة تقرب الفرس، وتبعد العرب.. قد اعتمدت الدولة العباسية على الفرس دون العرب.. وإن كانت قد احتفظت بهم في الواجهة فقط وكان ذلك ذكاء من المخططين منذ البداية..

وقد ظل أمر الدولة العباسية سرًا، حتى ألقى القبض في عهد آخر الأمويين على رسول يحمل رسالة الى «أبى مسلم» من إبراهيم الإمام يطلب إليه أن يقتل كل من يتكلم العربية في خراسان، ولما علم إبراهيم أنه سوف يُقتل عهد إلى أخيه «أبا العباس» وأوصاه بمتابعة الدعوة..

تسلم أبو العباس الوصية في وقت كانت أقصى ما يصل إليه علم وتفكير بنى أمية أن الدعوة هى لأهل بيت النبي دون تحديد..

ويقول الشيخ الخضرى «إن هذه الدولة قامت باسم الدين والسلاح الذي استعمل فيها للتأثير في العقول هو إعادة الأمر لآل النبي محمد، ونزعه من آل مروان الذين وصفهم الداعون بما شاءوا من صفات النقص والبعد عن الدين.

«كان ذلك السلاح يصل إلى شغاف القلوب فيثيرها من مكمنها، خاصة وأن الكوفة وخراسان كانتا قبل مهدًا للتشيع وحب آل البيت، فقديمًا قامت بلاد العراق بنصرة على بن أبى طالب وقامت لتثأر بالحسين بن على وجاهدت في نصرة زيد بن الحسين وابنه يحيى، فلم تترك فرصة لذلك إلا انتهزتها ثم اختاروا بلاد خراسان لتكون مشرقًا لقوتهم، وكان الذين دخلوا في الإسلام من الفرس أقرب من غيرهم إلى التأثر بآراء الشيعة، لأنهم لا يفرقون بين خلافة وملك وكان الملك عندهم ينال بالإرث وهو منحة يمنحها الله للأسرة المالكة فمن عارضها فيه فهو خارج عليها يستحق المقت واللعنة فإذا ألقى إليهم في التعاليم أن بني أمية غصبوا أهل بيت النبى حقهم سهلت إلى ذلك إجابتهم واعتقدوا أن بني أمية يجب قتالهم وتخليص هذا الحق المقدس منهم، ولهذا كان من الوصايا التي بنيت عليها سياسة الدعوة العباسية:

«إن قُدرت ألا تبقى بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل» وهي وصية لم تلاحظ فيها العواقب البعيدة وإنما لوحظت فيها الفوائد العاجلة..

ويقول الدكتور حسين إبراهيم حسن: إن قتل الحسين كان قد آثار حماسة المسلمين فتوحدت صفوف الشيعة، وزادت الدعوة لآل على قوة، واشتد العداء بين الأمويين والعلويين الذين أثاروا الفتن والثورات في الولايات الإسلامية ثم حدثت هذه الحادثة الهامة في تاريخ الشيعة، وهي انتقال حق الامامة من بيت على إلى بيت العباس على يد أبى هاشم بن محمد بن الحنفية..

ففي سنة 98هـ استدعى الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك أبا هاشم وأكرم وفادته، وأظهر التودد له، ولكنه دبر أمر قتله خشية أن يدعو إلى نفسه فدس له من سمه، وقيل أن أبا هاشم لما شعر بدنو أجله، قصد محمدًا هذا، وأفضى إليه بأسرار الدعوة الهاشمية، ونزل له عن حقه في الإمامة وأمده بأسماء داعى دعاته في الكوفة، ومن يليه من الدعاة، كما سلمة رسائل يقدمها إليهم..

«بذلك تحول حق الإمامة من العلويين الى العباسيين، وكان المسلمون منذ وفاة الرسول لم يرشحوا للخلافة أحدًا من بنى هاشم إلا على بن أبي طالب وأولاده ولم تتجه الأنظار إلى العباس عم النبى بعد وفاته لأنه لم يكن من السابقين إلى الإسلام، ومن ثم لم يرشح للخلافة هو ولا أولاده من بعده..

وكانت العلاقة بين بنى هاشم علويين وعباسيين، تقوم على الود والصفاء وكان البيتان متحدين على العدو المشترك وهو بنو أمية، إلى أن انتقل حق الإمامة من العلويين إلى العباسيين بنزول أبي هاشم بن محمد بن الحنفية.

وكان العباسيون أكثر كفاية ونشاطًا في الناحية السياسية من العلويين، وأكثر تطلعًا منهم إلى النفوذ والسلطان، وقد قيل إن أبا هاشم إنما فعل ذلك لأنه لم يجد بين أفراد البيت العلوى من يستطيع النهوض بأعباء امامة المسلمين أضف الى ذلك اختلاف الشيعة الكيسانية أنصار أبى هاشم عن اعتقاد الشيعة الإمامية أنصار أولاد فاطمة، على أن هناك مسألة جديرة بالملاحظة وهي أن نزول أبي هاشم بن محمد بن الحنفية لا يمكن أن يعتبر نزولا من العلويين جميعًا، لأن فريقًا كبيرًا منهم ظل متمسكًا بعقائد الشيعة الإمامية بدليل قيامهم في وجه العباسيين بعد قيام دولتهم..

وسوف نري بعد ذلك أن هذه الدولة الجديدة قد شهدت أعنف انشقاق بين جناحيها الأساسيين.. العلويين والعباسيين.. وأن هذا الانشقاق قد خضب بالدماء، وسيق إليه المسلمون في حروب دموية.

فما أن استقر الأمر للعباسيين، حتى بدأوا يدعمون سلطانهم، ونفوذهم ويقضون علي كل القوي المناوئة، أو التي يخشى منها.. وكان في مقدمة هذه القوى العلويون الذين ذاقوا مرارة الاضطهاد في جميع العهود..

لم تقم الدولة على الدعوة والدعاة كما بدأت فسرعان ما تحولت إلى دولة دموية.. قامت بحد السيف الذى اشهرته في وجوه أعدائها.. وأنصارها لا تفرقة بينهم في المواجهة والقتل..

وكان الضحايا.. من الأعداء، ومن الأنصار أيضًا..

واتبعت الدولة العباسية من وسائل الإرهاب وبشاعة الانتقام ما لم تقم به الدولة السابقة في وقت كان الظن أن هذه الدولة الجديدة أقرب إلى فهم الإسلام وإلى اتباع قواعده، ولكنها في حقيقة الأمر كانت أكثر ابتعادًا عن الإسلام وأكثر اتجاها إلى السياسة..

ورغم أن هذه الدولة الجديدة تُنسب إلي أهل بيت الرسول.. كانت لأغلب حُكامها مواقف وممارسات دينية سليمة فقد تمسكوا بالشكل، ولكنهم ابتعدوا في الحقيقة عن المضمون عن قواعد الإسلام الصحيح.. إذ انغمسوا في السياسة التي تتنافي مع كل القيم وكل القواعد والبعيدة عن الدين تمامًا فوصموا الدين بما هو برئ منه..

رغم الممارسة الفاجرة، والفساد والإفساد، والظلم والوحشية، وابتعادهم عن العدل فقد مزجوا الدين بالسياسة علي نحو مموج، وادعوا أنهم خلفاء الله بحيث لا يسائلهم أحد، فقد جاءتهم الخلافة عن طريق الوراثة.. وأجبروا الناس أن ينظروا إليهم علي أنهم أمراء دينيون، وأن حكومتهم - هذه - دينية.

ولما كانوا يميلوا الى الفرس، فقد أصبح نظام الحكم عندهم مماثلا لما كان في بلاد فارس.. وتولي الوزارة منهم من أصل فارسى، وأديرت الدولة بنفس نظام الإمبراطورية الفارسية واحتفلت بالأعياد الفارسية، وأحيط الخليفة بالرهبة والأبهة والعظمة. ينحنى أمامه من يدخل عليه ويقبل الأرض بين يديه، ودخلت الأزياء الفارسية البلاط، وبدت حكومة العباسيين ملكية وراثية استبدادية، ولأصباغ الصبغة الدينية علي الخليفة فقد ارتدى عند توليه أو حضوره الحفلات الدينية بردة النبي الكريم رمزًا دينيًا لا يخطئ أحد في فهم الأسباب التي دفعت إليه.. وتلقب الخليفة رسميًا بلقب الإمام الذي كان يطلق من قبل على من يؤم المسلمين فى الصلاة، أو يطلق على العلويين الذين كانوا يرون أنهم الأحق بالخلافة، وهكذا فإن العهد الجديد.. استند إلى نظرية ليس لها وجود في الإسلام علي الإطلاق، وهي نظرية الحق الالهي..

وقد استمرت هذه الخلافة حتى دخل «هولاكو التتارى» بغداد، واستقر في قصر المأمونية، وذبح السكان كما تذبح الشياة، وأحرق المدينة، وأتلف مساجدها وخرب شوارعها، وقتل آخر خلفائهم المعتصم وأولاده، ثم واصل التتار مسيرتهم..

كانت هذه النهاية بالقتل.. ولم تكن البداية مختلفة كثيرًا من حيث الممارسة.. فقد بدأت - الدولة - كما انتهت بالقتل وسفك الدماء...


صورة من المقال:



الأحد، 23 مارس 2025

عفوًا.. مائدة فوق جثث القتلى

عفوًا.. مائدة فوق جثث القتلى

بقلم: عبد الله إمام

الجمهورية الخميس 17 يناير 2002م - 8 ذو القعدة 1422هـ


جاء عهد جديد.. بعد أن عبث بنو أمية بكل القواعد الإسلامية. وبكل القيم الإنسانية، من أجل الاستقرار والاستمرار في كراسى الحكم، وكان العهد الجديد في بدايته أكثر بشاعة وأكثر ممارسة للقتل وسفك الدماء، وأكثر بعدًا عن جوهر الدين.. وجريًا وراء السياسة بألاعيبها القذرة من سابقه..

وهكذا جاءت الدولة العباسية التي استمرت أكثر من خمسة قرون تولى فيها الحكم سبعة وثلاثون إمامًا أولهم أبو العباس وآخرهم المعتصم.. حتى هجم التتار فأنهوا الدولة العباسية..

بدأ العباسيون حكمهم تحت راية الدفاع عن أهل بيت النبي «صلى الله عليه وسلم» وتحت راية أهل «على بن أبي طالب» رضى الله عنه، ثم ما لبث أن اضطهدوا العلويين وقاتلوهم علي نحو ما فعلوا ببني أمية. أي أنه بسبب السياسة يمكننا أن نقول أنه حتى أهل بيت النبي الكريم لم ينجوا من الخلاف والاقتتال.

كان أبو العباس عبد الله الذى يتصل نسبه إلى عبد المطلب بن هاشم هو أول خلفاء بني العباس.. ووفقًا للإمام السيوطى فقد وصلت إليهم الخلافة «وما في الأرض أحد أكثر قارئا للقرآن ولا عابدًا ولا ناسكًا منهم». لعبت السلطة والسياسة دورها معهم فإذا بأول خلفائهم هذا العابد يُطلقون عليه بعد الخلافة أسم «السفاح».. ويشتهر بهذا اللقب فلا يعرفه المؤرخون بغيره، فقد كانت حياته مليئة بحوادث القسوة التي لم يشهد التاريخ مثلها فيما اتبعه مع بقايا بني أمية ومع غيرهم من حكام الدولة في أقاليمها أو الذين كان لهم أثر دور أساسي في قيامها.

بعد وصول أبي العباس إلى السلطة كان يعتبر الخلافة حكرًا في أسرة الرسول على غير حقيقة الإسلام، وأن أسرته أولى بالخلافة التي اغتصبها منهم بنو أمية، وقال في خطبة الجمعة «أنه لما قبض الله نبيه قام بالأمر أصحابه إلى أن وثب بنو حرب ومروان، فجاروا واستأثروا، فأملى الله لهم حينًا حتى أسفوه فانتقم منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا، ومنزل مودتنا، لم تفتروا عن ذلك، وقد زدت في اعطياتكم مائة، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح، والثائر المتيح «الذي يقع في البلايا» وقد نقش على ختمه «الله ثقة عبد الله وبه يؤمن» وهكذا كان هو أول من أطلق على نفسه لفظ السفاح الاسم الذي التصق به، وعرف به على امتداد التاريخ.

وينقل الإمام السيوطى - كتاب تاريخ الخلفاء - أنه في دولة بني العباس افترقت كلمة الإسلام، وسقط اسم العرب من الديوان، وأدخل الأتراك في الديوان، واستولت الديلم، ثم الأتراك، وصارت لهم دولة عظيمة، وانقسمت ممالك الأرض عدة أقسام، وصار كل قطر قائم يأخذ الناس بالعسف ويملكهم بالقهر».

ويقول الشيخ محمد الحضري: «إن بني عباس قسوا في معاملة بني أمية قسوة ربما لم نجد لها مثيلا في الدول التي قامت على اثر دولة أخرى.. فعل ذلك العباس بالعراق، وعبد الله بن على بالشام، ونهر أبي فطرس وسليمان بن على بالبصرة، وقد شمر «العباس» عن ساعده في قتل الأمويين حتي لم يبق أحدًا، إرضاء لشهوة الانتقام التي تمكنت من قلوب بني العباس ولم تخجلهم الوحشية القاسية.

وإن حياة أبي العباس انقضت كلها في الخلاص من بني أمية والاطمئنان من جهة كل من يرتابون فى إخلاصه فسفكت دماء كثيرة، وأحدثت قدوة سيئة في نكث العهود واغتيال المخالفين.

ومنذ البداية لما بلغ مروان أن الناس بايعوا السفاح خرج لقتاله فهزم وأرسلوا رأسه إلى أبي العباس ولما رآها سجد لله شكرا وخذ يقلبها بعصاءه وهو يقول الحمد لله الذي أظهرني عليك. وأظفرنى بك، ولم يبق نار قبلك وقبل رهطك أعداء الدين».

وقد قتل في مبايعة السفاح من بني أمية وجندهم مالا يحصى من الخلائق، وتوطدت له الممالك إلى أقصى المغرب، ولكن الاندلس خرجت عن طاعته».

كان السفاح سريعًا إلى سفك الدماء.. فاتبعه في ذلك الولاة الذي عينهم في المشرق والمغرب.. وكان مع ذلك جوادًا بالمال.

ويذكر أبو الفرج الأصفهاني.. كتاب الأغانى «أن أبا العباس كان يجلس على سريره أمية دونه على الكراسي، ودخل عليهم شاعر يذكر بني أمية ثم نظر أبو العباس علي بني أمية قائلًا أرى قتلاكم من أهلى قد سلفوا وأنتم أحياء تتلذذون في الدنيا.. خذوهم فأخذتهم الخراسانية، فأهمدوا، إلا عبد العزيز نجل عمر بن عبد العزيز فإنه استجار قائلًا: إن أبى لم يكن كآبائهم وقد علمت صنيعته إليكم فتركه قائلًا: لا ترينى وجهه وليكن بحيث تأمنه وكتب إلى عماله في النواحي بقتل بني أمية.

في وحشية نادرة الوجود أقام ابو العباس مائدة فوق جثث قتلاه وتلذذ بالطعام كما لم يحدث من قبل.. يقول الأصفهانى أن «أبا العباس دعا بالغداء حين قتلوا وأمر ببساط فبسط عليهم، وجلس فوقه يأكل وهم يضطربون تحته، فلما فرغ من الأكل قال: ما أعلمني أكلت أكلة قط أهنأ ولا أطيب لنفسي منها، فلما فرغ قال: جروا بأرجلهم، فألقوا في الطريق يلعنهم الناس أمواتًا كما لعنوهم أحياء، قال: فرأيت الكلاب تجر بأرجلهم وعليهم سراويلات الوشي، ثم حفرت لهم بئر فألقوا فيها».

ومرة أخرى جاء ببعض خصومه وقتلهم، وعلقهم على الأشجار في بستانه، «حتى تأذى جلساؤه بروائحهم بعد أن تعفنت جثثهم، فكلموه في ذلك، فقال: والله أن هذا الذ عندى من شم المسك والعنبر، غيظًا عليهم وحنقًا».

لم يكف السفاح ذلك بل عمد إلى قبور بني أمية فنبشها حتى يمحو آثارها.. «فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطًا مثل الهباء. ونبش قبر يزيد بن معاوية فوجدوا فيه حطامًا كأنه الرماد ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا جمجمته، وكان لا يوجد في القبر إلا العضو بعد العضو غير هشام بن عبد الملك فإنه وجد صحيحا لم تبل منه إلا أرنبة أنفه فضربه بالسياط وصلبه وحرقه وذراه بالريح».

لم ينجح من نبش قبره وحرق عظامه من بني أمية إلا الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الذي يضاهي في عدله وزهده وصلاحه وتقواه الخلفاء الراشدين الأربعة، ولقد رأينا كيف أن عمر بن عبد العزيز أمر بمنع سب أو شتم على بن أبي طالب وعائلته على المنابر وأنه على عكس جميع بني أمية اتخذ نهجًا جديدًا حتي رفض أن يوصى بالخلافة لابنه.

وقد شملت حملة القتل والانتقام من بني أمية جميع الولايات الإسلامية فقد قام سليمان بن على العباسي بالبصرة بقتل جماعة من الأمويين أحضرهم وعليهم الثياب الموشاة إذ أمر بقتلهم، ودفعوا حتى ساروا على الطريق بأرجلهم وفيه قتلوا جميعًا.

أما داود بن على فقتل منهم بمكة والمدينة عددًا وافرًا وكبيرًا.. كانت حملة ضارية كاسحة ضد الأمويين للتخلص منهم والقضاء على بقاياهم، فاقت في قسوتها ما كان يقوم به الأمويون من قبل.. ووفقًا للشيخ محمد الحضرى «فإن الشدة في المعاملة لم تكن مقصورة على أعدائهم، بل نال أولياؤهم منها الشيء العظيم، وكان معظم الولاة للسفاح من أعمامه، وكان في عهده من الإصلاح الداخلي ضرب المنار والأميال من الكوفة وكانوا يمسحون الأرض بالذراع الهاشمية، وعند تمام الميل يكتبون عليه واحدًا ثم اثنين وهكذا وقد جعلوا في الطريق منارًا به يأمن السائرون الضلال في تلك الفيافي وهو عمل عظيم.. وكانت قاعدة الخلافة في عهد السفاح الكوفة أولا ثم انتقل الى الحيرة وأخيرًا الى الانبار، ونقل اليها دواوينه.

رغم عداء العباسيين لبني أمية والإعلان عن خطأ سياساتهم وادعائهم أنهم جاءوا للتغيير والابتعاد عن كل ما ارتكبه الأمويون من جرائم، إلا أنهم في سبيل الحفاظ على السلطة، ساروا على نفس الطريق بل وسبقوا فيه.

واتفق العباسيون مع الأمويين في قضية توريث السلطة، ورفض المبايعة للحاكم بالشورى وبآراء المسلمين، كما حدثت بعد انتقال الرسول.. وهكذا فعل السفاح عندما أوصي بالخلافة من بعده لاثنين بالتتابع - على طريقة بني امية - أولا أوصى لأخيه أبي جعفر وجعله ولى العهد.. ومن بعد أخيه لعيسى بن موسى بن محمد.. ووضع وصيته في ثوب وختمها بختمه ولم يكتف بذلك بل ختمها أيضا بخواتيم أهل بيته.

فعل العباسيون للحفاظ على السلطة ما هو أكثر قسوة من الأمويين. ومرة أخرى نؤكد أن هذه التصرفات كانت سياسة وليست من الدين فأساءوا للدين.. كان القتل والقتال والحروب السياسية التي استمرت قرونًا حتي استقر في وجدان الناس الدين على حقيقته رافضًا للعنف والقتل والإرهاب.

بنو أمية حولوا الخلافة - التي كانت تتم من قبل بناء على مشورة الناس - إلى ملكية وراثية ليس للناس فيها رأى.. ولا دور.. وحتي فرضوا أصحاب السلوكيات المنحرفة، وجعلوهم أئمة للمؤمنين وحكام المسلمين.

وسار العباسيون على نفس الطريق الذي ابتعد عن الدين واتجه إلى السياسة فأيضًا قتلوا.. وبوحشية، وزادوا عليها نبش القبور وإخراج رفات الموتى من حكام بني أمية، وعظامهم وأحرقوها.

هذه الفظاعة السياسية لم توجه إلى أعدائهم من بني أمية وحدهم.. فسرعان ما أكلت الثورة أبناءها على حد التعبير الشائع في هذه الأيام.. فقد اتجهوا بالقتل إلي الذين عاونوهم.. وساعدوهم.. فسرعان ما التهمتهم نيران الثورة المشتعلة، لخلافات بين القوى الثائرة، والتي لعبت دورًا في قيام الدولة الجديدة.. بهدف هو الحفاظ على كرسى السلطة.. الذي تولاه بعد موت أبي العباس السفاح بالجدرى أخوه أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس. فسار على نفس الطريق.. طريق على جانبيه بحور من الدماء.


صورة من المقال:



السبت، 22 مارس 2025

عفوًا.. الماجن... والناقص... والحمار

 عفوًا.. الماجن... والناقص... والحمار

بقلم: عبد الله إمام

الجمهورية الخميس 10 يناير 2002م - 26 شوال 1422هـ


أوشك حكم بني أمية أن ينتهي، فقد بدأ أفول نجمهم في عهد الخلفاء الذين جاءوا بعد عمر بن العزيز فبعد العدل الشديد وبعد التجرد لخدمة المسلمين جاء أمراء لا يرعون الله، يمارسون كل أنواع العنف والفساد.. الذي انتشر في انحاء الدولة الإسلامية المترامية الأطراف..

وكانت التنظيمات السياسية المعارضة قد تكونت وبدأت تنشط، ويتوسع عملها، وتستقطب الأنصار فى وقت زادت فيه صراعات السلطة، واقتتال الخلفاء الأمويين..

وفقا للإمام السيوطى - كتاب تاريخ الخلفاء - أنه تولى الحكم يزيد بن عبد الملك «وهو الخليفة الفاسق أبو العباس».. وكان فاسقًا شريبًا للخمر منتهكًا حرمات الله، أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة فمقته الناس لفسقه وخرجوا عليه ولما قتل وقطع رأسه، وجيء به ليزيد الناقص فنصبه على رمح، فنظر إليه أخوه سليمان بن يزيد فقال: «بُعدًا.. له، أشهد أنه كان شروبًا للخمر، وماجنًا فاسقًا، ولقد راودنى عن نفسي». وقال له الناس: ما ننقم عليك في أنفسنا، ولكن ننقم عليك انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر واستخفافك بأمر الله..

وقال المعافى الجريري، جمعت شيئًا من أخبار الوليد، ومن شعره الذي ضمنه ما فجر به من خرقة وسخافته، وما صرح به من الالحاد في القرآن والكفر بالله..

وقال الذهبي «لم يصح عن الوليد كفر، ولا زندقة، بل اشتهر بالخمر والتلوط فخرجوا عليه لذلك».. وقد ورد في مسند أحمد حديث «ليكون في هذه الأمة رجل يقال له الوليد لهو أشد على هذه الأمة من فرعون على قومه»..

ألقى القبض على أحد قادة المعارضة، وكان ذا مكانة عالية، وبعد أن عذبه أمر أن يباع فى الأسواق.. وخوفًا من غضب الناس من هذا التصرف الشاذ والثورة عليه قرر أن يقضى عليه مرة واحدة فيقتله..

وقرر المسلمون التخلص منه، وحاصروه، فنادى «ألم أحسن إليكم قالوا... نعم.. ولكنك عمدت الى شيخنا وسيدنا خالد بن عبد الله، وقد عزله الخليفة من قبلك، وأخذ أمواله، ثم افرج عنه، فدفعته أنت الى البيع، ثم عذب حتى قتل شر قتله، فقال الوليد «اخلعونى من الإمارة، وولوا من شئتم ورفضوا الموافقة على أن يُخلع، وأصروا على ضرورة قتله وقطع رأسه وذهبوا الى القصر وانتهى يزيد بن خالد إلى الباب وقد وضع عليه سلسلة، فأمر بها فكسرت وكسر الباب، وخرج الوليد يسعي، ثم دخل بيتًا من بيوت القصر، ودخل عليه نحو ثلاثين رجلا، وهو واقف وبيده السيف، مُنكسًا رأسه لا ينظر اليهم، فضربه رجل منهم ضربة قتلته فسقط على الأرض، ثم اتجه اليه فقطع رأسه، فخرج به وانصرف الناس.. فبايع الناس ليزيد بن الوليد بن عبد الملك.

وهكذا تخلص الناس من الخليفة الذي أساء إلى الدين وأساء استخدام السلطة على ما يروى ابن قتيبة الدينورى فى كتابه الإمامة والسياسة في سطر واحد.. فقتل.. ثم قطعت رأسه، ولم يهتز أحد لهذا الحدث الخطر، وكأن الأمر لا يهمهم.. أبو خالد بن الوليد بن عبد الملك الذى تولى بدلا من ابن عمه عن طريق الوثوب على الخلافة.. وبخفه الدم والروح وتسرية عن النفس كانوا يسمونه «يزيد الناقص» لأنه أنقص مرتبات الجنود.. ولم يمض في الخلافة إلا ستة شهور فقط.. أدخل فيها تقليد خروج الحاكم بالسلاح في العيدين، عندما خرج في صفين من الخيل يركب عليها المسلحون من باب الحصن إلى المصلي، وقال في خطبته والله ما خرجت بطرًا ولا طمعًا ولا حرصًا على الدنيا ولا رغبة فى الملك انى لظلوم، لنفسى إن لم يرحمني ربي ولكني خرجت عضبًا لله ولدينه، وداعيًا إلى كتابه وسنة نبيه، لقد استخرت الله في أمرى ودعوت من أجابنى من أهلى وأهل ولايتى ويقول الامام السيوطى «إن الله أراح منه البلاد والعباد».

وكان يقول يا بني أمية اياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وأنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، وإن كنتم فاعلين فجنبوه النساء»..

وبويع بالخلافة أخوه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك لمدة سبعين ليلة حتى خرج عليه مروان بن محمد فهرب وخلع نفسه، وبايع مروان حتى يحافظ على حياته.

وكان مروان الحمار، وآخر خلفاء بني أمية، وسمى بالحمار لأنه كان لا يجف له «لبد» في محاربة الخارجين عليه..

كان يصل السير بالسير، ويصبر على مكاره الحرب، وكان يقال في المثل فلان أصبر من حمار في الحروب، فلذلك لقب به، وقيل: لأن العرب تسمى كل مائة سنة حمارًا، فلما قارب ملك بني أمية مائة سنه لقبوا مروان بالحمار.

وكان مشهورا بالفروسية والإقدام والرجولة، والدهاء، والعسف، فلما قتل الوليد، وهو حاكم على أرميناية، وبلغه ذلك دعا الى بيعة من رضيه المسلمون فبايعوه، فلما بلغه موت يزيد أنفق الخزائن، وسار فحارب إبراهيم فهزمه، وبويع مروان.

وفي وحشية شديدة يقول السيوطى انه لما استوثق له الأمر، فأول ما فعل أمر بنبش يزيد الناقص فأخرجه من قبره.. وصلبه لكونه قتل الوليد..

ثم انه لم يتهن بالخلافة، لكثرة من خرج عليه من كل جانب إلى سنة اثنتين وثلاثين، فخرج عليه بنو العباس».

ووفقا للأمام السيوطى أنه: «لما قُتِل مروان الحمار قطع رأسه ووجه به الى عبد الله بن علي، فنظر إليه، وغفل، فجاءت، هرة فاقتلعت لسانه وجعلت تمضغه، فقال عبد الله بن علي: لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في فم هرة لكفانا ذلك».

كان مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية الذى اشتهر عصرهم بأنه عصر القتل.. والاغتيال.. والاضطهاد لأهل بيت النبي، وقتل الكثير من أحفاد على بن أبي طالب...

ولم يمر الأمر سهلا، فبعد ١٤ خليفة أمويًا زالت دولة الأمويين، واختلف المؤرخون في أسباب نهايتها.. ولكنهم يتفقون جميعًا في ذكر المجازر الوحشية التى ارتكبها أغلب خلفائهم.. ليس بسبب الدين.. ولكن بسبب السياسة..

وقد رصد المسعودى - كتاب مروج الذهب - أسباب نهاية الأمويين فقال «سئل بعض شيوخ بني أمية عقب زوال الملك عنهم إلى بني عباس ما كان سبب زوال ملككم؟ فقال إنا شغلنا بلذاتنا عن تفقد ما كان تفقده يلزمنا، فظلمنا رعايانا فيئسوا من إنصافنا، وتمنوا الراحة منا، وتحويل على أهل خراجنا فتخلوا عنا، وخربت ضياعنا، فخلت بيوت أموالنا، ووثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقهم على منافعنا، وأمضوا أمورًا دوننا أخفوا علمها عنا، وتأخر عطاء جندنا، فزالت طاعتهم لنا، واستدعاهم أعادينا فتظاهروا معهم على حربنا، وطلبنا أعداؤنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا، وكان استتار الأخبار عنا من أوكد أسباب زوال ملكنا».

وكان نشاط الأحزاب السياسية السرية المعارضة قد بدأ يتزايد في مواجهة بني أمية، وكانت هذه الأحزاب قد بدأت منذ مقتل الامام الحسين وكان لها دور كبير فى انتهاء الدولة الاموية حيث رأوا أن محاربة بني أمية هو جهاد في سبيل الدين..

ويقول د. إبراهيم حسن - كتاب تاريخ الإسلام - إن معارضي بني أمية كانوا يستندون إلى سيرة يزيد الأول، ويزيد الثاني، والوليد الثاني من الخلفاء الأمويين ولا سيما ما كان منهم من هتك حرمة المدينة المنورة في عهد يزيد، واتخاذهم المقاصير لتحجب الرؤية عن الناس..

وكانت الإمامة - وهى القيادة العليا للمسلمين - أولى المسائل التي تهم بني أمية ومقرهم بلاد الشام، فهم أهل الدولة الإسلامية لذلك الحين لاجتماع أكثر المسلمين عليهم، خاصة بعد نزول الحسن عن الخلافة لمعاوية، وكانوا يزعمون أنهم الراشدون، وأنهم أصحاب الحق في الأخذ بثأر عثمان والمطالبة بدمه، وكان ينادون حكومة الأمويين، ويتفقون ضد أهل المدينة وهم انصار النبي، وحزب الشيعة وهم أنصار اهل البيت، وحزب الخوارج وهم الجمهوريون الذين يقومون باختيار الخلفاء من بين الأكفاء، فقد أثارت سياسة تولية العهد شخصين يلى أحدهما الآخر عوامل المنافسة، وغرست بذور الشقاق، ولم يكن الأمر يتم لأحد أبناء الخليفة حتى يعمل على إقصاء الآخر من ولاية العهد، وإحلال أحد أولاده مكانه، ومما زاد الحالة سوءًا أن النزاع امتد الى القواد ومسئولى الولايات، وقد بعث الأمويون روح العصبية التي حاول الإسلام أن يقضى عليها، ولما مات معاوية تفككت الوحدة العربية في بلاد الشام، ولما توفى عمر بن عبد العزيز، وفى عهد يزيد بن عبد الملك اشتعلت نيران العصبية بين عرب الشام وعرب الجنوب، وانحاز الخليفة لعرب الشمال، وقد انتهى الصراع بقتل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وقتل أهل بيته اليمنيين الذين كان دورهم هامًا ومؤثرًا فى الدولة، وكذلك آثار قتل خالد بن عبد الله العشرى والى العراق - وهو يمنى - في عهد هشام بن عبد الملك كراهية اليمنيين حتى اعتبره بعض المؤرخين من أقوى الأسباب التي عجلت بسقوط الدولة الأموية... سقطت الدولة الأموية التي قامت علميًا منذ تولى عثمان بن عفان، والتي خدمت الإسلام بما قدمته من فتوحات عظيمة ووسعت قاعدة الإسلام فأدخلت فى دين الله دولا وإمبراطوريات، كما أنها نشرت أيضًا الفساد، وقامت الدولة العباسية التى تنتسب الى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم وظن المسلمون أنهم قد تخلصوا من الألاعيب السياسية، وأنهم سوف يتجهون إلى حكم يحافظ على نقاء الإسلام.... شورى صحيحة... تحافظ على الشريعة الغراء وعلى كرامة الانسان وحقوقه.. ولكنهم واجهوا سنوات صعبة وعصيبة، وبدأ عصر جديد من القتل السياسى والذبح الوحشي.

ونحن نسرد تاريخ الذين انحرفوا بالدين نحو السياسة، لا نسعى لجلد أنفسنا فلم ننفرد بهذه الممارسات القمعية والعنيفة.. فقد كانت أوروبا تشهد صراعات أشد عنفًا.. وقتالا أكثر وحشية.. وكانت الخلافات دينية قبل أن تكون صراعًا على السلطة..

صورة من المقال:


الجمعة، 21 مارس 2025

عفوًا.. المبايعة لأمير مجهول

 عفوًا.. المبايعة لأمير مجهول

بقلم: عبد الله إمام

الجمهورية الخميس 3 يناير 2002م - 19 شوال 1422هـ


خلافة رسول الله والتي تحولت في عهد الأمويين إلى ملكية وراثية احتفظت بشكل مبايعة المسلمين للخليفة الجديد، وقضت على مضمونها، فقد أهدرت حق الناس فى أن يختاروا أو حتى يكون لهم رأى.. فما لبث أن أصبحت البيعة بلا فائدة فكان أمير المؤمنين يطلب البيعة فى حياته لمن يخلفه وغالبًا يكون ابنه وقليلا ما يكون أخاه ثم بدأ يُوصى لمن بعده ولمن بعد بعده.. يعين من بعده اثنين من أمراء وأحيانًا ثلاثة وغالبًا ما كانوا يختلفون بعد وفاته ويتقاتلون أو يقوم واحد منهم بتغيير «الوصية» بحيث يرشح ابنه بدلا من أخيه.. أو أخاه المقرب منه بدلا من أخيه الآخر.. ثم أخذت البيعة لصغار السن أو للبعض من الذين انحرفوا بسلوكياتهم عن الإسلام..


هذه البيعة الشكلية كانت تؤخذ بالسيف أو بالذهب.. لشخص يعرفه الناس أو يسمعون به.. ثم جاءت فترة كانت تؤخذ البيعة للمجهول دون أن يعرف الناس من هو الشخص الذي يبايعونه.. ومن الغريب أن هذه الطريقة اتبعت مع أكثر الخلفاء عدلا ونزاهة والذى ترك علامة بارزة فى التاريخ الإسلامى بسيرته وتقواه وسعة أفقه وهو الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي بايعه الناس بالمصادفة رغم الإجماع على صفاته الحميدة وبأن الخلفاء ثلاثة هم «أبو بكر والعمران» عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز..

كان سليمان بن عبد الملك من خيار ملوك بني أمية تولى بعد أن أخذ له البيعة بعهد من أبيه بعد أخيه وكان فصيحًا نهى عن الغناء وأحيا الصلاة في مواعيدها وكان مُحبًا للطعام فأكل في مجلس واحد سبعين رمانة وخروفا وست دجاجات ومكوك من زبيب الطائف وكان سليمان مُختالا مُعجبًا بنفسه بجماله وشبابه يكثر من الوقوف أمام المرأة مُمتدحًا حسن هيئته مُرددًا «أن عمر كان فاروقا وعثمان كان حييا، والوليد جبارًا، وأنا الملك الشاب»..

كان عبد الملك بن مروان قد أوصى بالخلافة لولديه الوليد وسليمان وأخذ لهما البيعة وقد أراد الوليد أن يخلع أخاه سليمان ويولى ابنه فاعترض عمر بن عبد العزيز قائلًا «أن لسليمان في عنقنا بيعة» فحفظها له سليمان بعد أن تولى وجعله وزيرًا له..

وكان عمر بن عبد العزيز واليًا على المدينة فترك فيها من الأعمال الجليلة مازال عالقًا بذاكرة التاريخ وكان قد عزل عمال الحجاج بن يوسف الثقفى وأخرج من كان فى السجن ببغداد وأحيا الصلاة في مواعيدها وكان بنو أمية أماتوها بالتأخير..

عندما عزم سليمان أن يبايع لابنه الطفل نصحه رجاله أن يبايع لعمر بن عبد العزيز ثم بعده ابنه حتى يكون قد كبر واستحسن الفكرة فعمر شخصية لا خلاف عليها وله دين فى عنقه ولكنه خاف أن يرفض أخوته الذين كانوا يتطلعون الى توليه هذه الإمارة.. وقرر أن يجعل اختياره لعمر بن عبد العزيز مفاجأة لا يعرف عنها أحد شيئًا إلا بعد أن يموت وطلب قرطاسًا وكتب فيه العهد ودفعه إلى رجاء بن حيوة وقال له أخرج إلى الناس فيبايعوا على ما فيه مختومًا فخرج وقال للناس إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب، قالوا ومن فيه؟ أجابهم أنه مختوم ولا تخبروا بمن فيه حتى يموت قالوا: لا نبايع فقال: له أمير المؤمنين انطلق الى صاحب الشرطة والحرس فاجمع الناس وأمرهم بالبيعة فمن أبى فاضرب عنقه.

وخاف الناس فبايعوا من فى الورقة دون أن يعرفوه.

ويروى رجاء بن حيوة الذى حمل رسالة أمير المؤمنين في خطاب مغلق الموقف قائلًا: انه استدعى كعب بن حامد العبسى رئيس الشرطة «وأرسلت ليجتمع أهل بيت أمير المؤمنين فاجتمعوا في مسجد دابق فقلت لهم: بايعوا قالوا: قد بايعنا مرة أنبايع أخرى فقلت لهم: هذه رغبة أمير المؤمنين فبايعوا على من عُهد إليه فى هذا الكتاب المختوم.. فبايعوا رجلا رجلا فلما بايعوا رأيت أنى قد أحكمت الأمر فقلت لهم ان الخليفة مات.. ومضيت أقرأ عليهم الكتاب».

وعندما علم عمر بن عبد العزيز بمبايعته أصابه الوجوم وقال «لقد صارت إلى وأنا كاره لها ثم صعد المنبر وقال «لقد ابتليت بهذا الأمر على غير رأى منى فيه وعلى غير مشورة من المسلمين وانى أخلع بيعة من يباعينى فاختاروا لأنفسكم..» واهتز المسجد من كلمات ترددت دون نفاق «اياك نختار يا أمير

المؤمنين»..

واندفعت الجموع نحو المسجد فى مهرجان حاشد يبايعون عمر بينما كان الرجل يجهش بالبكاء..

كان اختيارا صائبًا لما كان قد اشتهر عن عمر من تقوى وعدل وصلاح ولكن المسألة كانت تشير الى أن المبايعة تمت فى البداية على «بياض» فقد بايع الناس رجلا لم يعرفوا من هو.. لا اسمه ولا شكله ولا ملامحه..

سلموا بالخلافة لعمر بن عبد العزيز ولم يكن يطمع فيها وجاءوا اليه بالجياد المزركشة التي تُوحى بعظمة السلطة فرفضها وركب دابته وانصرف مع الناس.. ونزل في منزله وبدأ مرحلة من العدل والتقشف فقد كان دخله قبل الخلافة أربعين ألف دينار تركها ولم يبق له سوى أربعمائة فى السنة وتولى الإمارة وهو من الأثرياء ومات فقيرًا وكان يرتدى القميص بمائة دينار فتركه إلى قميص خشن بعشرة دنانير - أعلن أنه ضد نهب المال العام وصعد المنبر وقال للناس في خطبته «إنى لست بفارض ولكني منفذ ولست بمبتدع ولكني متبع وأن من حولكم الأمصار والمُدن إن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم وإن هم أبو افلست لكم بوال، ولست بخير من أحدكم ولكنى أكثركم حملًا»..

وقد وصف بأنه نجيب بني أمية وأنه يبعث يوم القيامة أمة وحدة وقد بدأ عدله بأسرته وأهل بيته فأخذ ما فى أيديهم واعتبر أموالهم مظالم وأنهم حصلوا عليها بطرق غير مشروعة فردوها إلى بيت المال..

ولما اشتهى التفاح وأهدى إليه رجل تفاحًا أعاده إليه بعد أن شمه قال: ما أطيب رائحته ارجعه يا غلام إلى الذي أرسله واشكره».. فقيل له كيف ترد هدية وقد قبل «النبى صلى الله عليه وسلم» الهدية فأجاب: إنها كانت للنبي هدية ولكنها اليوم لنا رشوة.. وذات مرة سخنوا له الماء فى المطبخ العام فاشترى حطبًا بدرهم وأرسله ثمنًا لتسخين المياه وبعث غلامه ليشوى له لحمًا فجاء به سريعًا وعرف أنه شواه فى المطبخ العام للمسلمين فرفض أن يأكل اللحم وتركه للغلام لأنه لم يرد أن يأكل لحما تم شواؤه بأموال المسلمين..

أقام عمر بن عبد العزيز العدل بين المسلمين وغير المسلمين فكان يصرف لفقراء غير المسلمين من بيت مال المسلمين ما يكفيهم.

وقد كرهه بنو أمية لأنه شدد عليهم وانتزع من أيديهم كثيرًا مما اغتصبوه ولما طلبوا منه أن يرد عليهم ما انقطع عنهم قال لهم: لن يتسع مالي لكم وأما هذا المال فإن لكم فيه حقًا مثل سائر المسلمين.. فكما كان شديدًا على غيره كان شديدًا على نفسه فقررت العائلة التخلص منه بنفس الطريقة التي ابتكرها مؤسس الدولة الأموية للقضاء على الخصوم... فاستأجروا من يدس له السم. لأنه حرمهم امتيازاتهم التي حصلوا عليها نتيجة وضعهم السياسي كأسرة حاكمة وهكذا جاءوا بأحد العبيد واتفقوا معه أن يخلصهم منه بالقتل وهكذا اعطوه سما..

هذا الخليفة النموذج العادل كان مصيره القتل أيضًا لم ينج من ألاعيب السياسة عندما قضى على امتياز الأسرة الحاكمة.. فقد امتد القتل إلى داخل الأسرة هذه المرة ليس حفاظًا على مقعد السلطة ولكن لأنه قاوم الفساد حفاظًا على وضع متميز فى المجتمع وعلى أموال ينهبونها دون وجه حق..

وقال عمر «أنى أعلم الساعة التي سقيت فيها السم ونادى خادمه وقال له ويحك ما حملك أن تسقينى السم.. فقال: ألف دينار أعطيتها.. وأيضًا وعد أن أعتق إذا نفذت المهمة قال له: هاتها فجاء بالألف دينار استلمها منه عمر وبعث بها الى بيت المال وقال للغلام: اذهب حيث لا يراك أحد فتهلك.. وأعتقه. وكان عمره تسع وثلاثين سنة ونصف السنة.

كان خلفاء بني أمية من الذين يشجعون التهجم على «ابن أبي طالب وأولاده» وجميعهم يعين من يخلفه كولي للعهد شذ عن هذه القاعدة عمر بن عبد العزيز الذي تولى إمارة المؤمنين ثلاثين شهرًا وترك من بعده أولاده وهم تسعة ذكور لم يوص لأحد منهم فقد أراد أن يعود الأمر إلى المسلمين ليختاروا من يولوه عليهم وفقا للأولويات التى وضعها الأمير من قبله.. وكان رافضًا لسياسة الأمويين ومما يُذكر له أنه أوقف اللعنات والشتائم والسباب الذى كان يوجه الى «على بن أبي طالب» وأسرته من فوق المنابر وجعل مكان مصطلحات الشتم كلمات مازالت تردد فى كل صلاة جمعة على منابر المساجد فى العالم الإسلامى كله هي «إن الله ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون» لتحل مكان ألفاظ سباب في «على بن أبي طالب» وأسرته يختم بها خطيب الجمعة خطبته..

تولى من بعده يزيد بن عبد الملك وفق عهد أخيه سليمان.. وكان كريمًا ولكنه سار على نهج عمر من العدل والنزاهة فقط أربعين يومًا ثم تراجع فلم يطق أن يطبق العدل وأن يكون متقشفًا أكثر من هذه الفترة البسيطة وخرج عليه يزيد بن المهلب فحاربه حتى قتل في كربلاء حتى قيل أن بني أمية ضحوا بالدين في كربلاء وضحوا بالكرم في كربلاء أيضًا... وتولى هشام بن عبد الملك إمارة المؤمنين وكان يكره الدماء ويرفض العنف...

كان عمر بن عبد العزيز إحدى العلامات البارزة فى العصر الأموى بل في تاريخ الإسلام ولكن القضية أنه جاء بالمصادفة.. وأن الناس بايعوه دون أن يعرفوا اسم الشخص الذي يبايعون له.. القضية هنا في نظام الحكم في الإسلام.. تأكيدًا على البيعة كانت بعد الخلافة الراشدة شكلية.. وهو درس للذين مازالوا يحلمون ويرون أن الخلافة هى النظام المعتمد للحكم في الإسلام وهم يعرفون أنها تحولت إلى مسألة شكلية وقضية صورية وأن الحاكم كان يفرض من يريد ويأخذ له بيعة شكلية.. وصورية لا قيمة لها في المفهوم الصحيح لاختيار أى قائد فضلًا عن أن يكون حاكمًا لدولة تنتمى إلى رسالة خاتم النبيين.


كان عمر بن عبد العزيز عظيمًا.. وأحد مظاهر عظمته أن كشف صورية نظام ما سمى خطأ «بالخلافة»..


صورة من المقال:


الأربعاء، 19 مارس 2025

عفوًا.. الحسين سيد الشهداء

 عفوًا.. الحسين سيد الشهداء

بقلم: عبد الله إمام

الجمهورية الخميس 13 ديسمبر 2001م - 28 رمضان 1422هـ


ظل أهل بيت رسول الله موضع تكريم وتبجيل، هم أحق الناس به حتي تدخلت السياسة والتنازع علي السلطة، فلم يراع المتنازعون حرمة ولا دين واتجهوا فى وحشية بعيدة عن كل تصور قتلا وذبحًا في الباقين من أهل البيت، وكانت أسرة «على بن أبى طالب» منكوبة، فقد قُتِلت جميعها تقريبًا بسبب السياسة، رغم ما تمتعت به من حب المسلمين واحترام كانت جديرة به، كما لم يشهد التاريخ الإسلامى في ذلك الوقت من هو أكثر منهم تدينًا ونبلًا وشجاعة، وحبًا للناس.. ولم يشفع لهم ذلك ولم ترحمهم صلتهم بالرسول، فقد كانت الأطماع والنوازع السياسية فوق كل ذلك..

وقد رفض «الحسين بن على» كل المحاولات التي بذلت معه حتى يبايع «يزيد بن معاوية» بالملك أو الحكم بعد أبيه، وابتعادًا عن الضغوط التي مورست عليه، خرج من المدينة إلي مكة.. وكتب إليه أهل الكوفة من شيعة أبيه ومحبيه في إلحاح مستمر أن يذهب إليهم ليبايعوه... وكثر الإلحاح عليه حتى يُقال انه وصلت الدعوات التي جاءته حمل اثنين من الخيول، وكان من حوله يعرفون أن المؤامرات تحيط به، فهو أقوى من كل الترشيحات، والأكثر شعبية وتدينًا واستحقاقًا، فهو ابن على بن أبي طالب وابن فاطمة ابنة الرسول، وأكثر وعيًا وإدراكًا وتدينًا ولم تكن سلوكيات المرشح الآخر «يزيد» فوق مستوى الشبهات...

وبعث الحسين إلى الكوفة واحدًا من رجاله ليتعرف على الموقف، وتداعي الناس إلي هذا الرسول فبايعه ثمانية عشر ألفًا، وأرسل إلى الحسين مطمئنًا بأن هناك إجماعًا علي مبايعته...

خرج الحسين من مكة فى طريقه إلى الكوفة رغم التحذيرات بعضها طلب إليه أن يلغى الرحلة، أو يتجه نحو شيعته في اليمن، والبعض نصحه أنه إذا كان مصرًا علي الذهاب فعليه أن يتخفف ولا يصحب معه كل أسرته من الرجال والنساء والأطفال على نحو ما فعل.. والتقى به في الطريق وفد قادم من الكوفة فحددوا له الوضع بدقة «قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء»..

كان هو فى مقدمة الركب المتجه إلى الكوفة وأمامه العباس، ثم رفاقه، وقافلة الجمال تحمل هوادج النساء والأطفال، ثم الجمال والخيل تحمل الخيم، ومبعوثه قد قتل، ووصله النبأ وهو فى الطريق فتوقف وسأل عن اسم المكان الذى نزلوا به فقالوا «أنه كربلاء» فقال «كرب... وبلاء».

وحوصر الحسين وعائلته في الصحراء مع الحر الشديد حتى كادوا يموتون عطشًا وبينهم أطفال ونساء، وكان الحسين يصيح يا قوم.. ألا تعلمون من أنا.. قالوا أنت ابن رسول الله.. ففيم إذن تستحلون دمى.. كانت التعليمات واضحة ممن لا يرحم.. وفي اليوم العاشر.. ليلة عاشوراء.. وأحس الحسين بالمؤامرة التي دبرها له عبيد الله ابن زياد بن أبيه بعد أن جهز جيشًا من ثلاثة آلاف مقاتل، لا يستطيع الحسين أن يواجهه لا هو ولا أسرته ولا الذين أحبوهم فانضموا إليهم، فعرض على قائد الجيش - عمر بن سعد بن أبي وقاص - أحد ثلاثة حلول حتى لا تكون حربًا، ولتفادى سفك دماء المسلمين: إما أن يتركوه ليعود إلى مكة من حيث جاء، أو يسمحوا له بمواصلة المسيرة إلي أن يقابل يزيد ويتفاهم معه، أو يتركوه ليذهب إلى أى بلد إسلامي، ولكن القائد بعد تعليمات «ابن زياد» رفض الحلول الثلاثة، لقد أعدوا عدتهم للقضاء عليه.. واستفز هذا الموقف المتعنت بعض جنودهم، فتركوهم وانضموا إلي الحسين، الذى لم يكن له جيش.. كان «الحسين» مسالمًا حتي اللحظة الأخيرة، لا يُريد قتالا، ولولا الإلحاح عليه، لما غادر مكة ولظل مُقيما فيها مع أسرته أو لربما اتجه إلى مكان آخر.. ولكنها السياسة، فقد كان المطلوب لاستقرار يزيد بالولاية الجديدة، أن يقضى علي معارضيه الكبار والصغار، وكان الحسين على رأسهم بل انه أبرزهم... لذلك بدأت أغرب حرب سياسية - هي في حقيقتها ضد أسرة نبي الإسلام - حتى يقضى عليها باسم الحفاظ علي الإسلام، وحتي يتولى «يزيد» مسئولية حكم المسلمين..

ولا يستطيع أحد أن يبرر - في قواعد الدين - هذا المنطق المعوج.. لأن للسياسة أدوات أخرى وتلاعبات أخرى.. وكان.. ومازال أشدها انحدارا أن ترتدى ثياب الدين...

وهكذا بدأت هذه الحرب الغريبة، وكان الحُسين هدفًا للسيوف وأنصاره يبذلون وسعهم لحمايته، فهو هنا قائد ديني وقائد سياسي أيضًا، وكلما سقط منهم واحد سارع زميله إلي مكانه ليحمى الحسين حتى يستشهد، فيأتي الآخر لحمايته وهكذا، وفى مواجهة هذا الصمود وفي وحشية أحرق جيش يزيد الخيام التي تأوى النساء والأطفال.

وكان الحسين وصحابته يقاتلون وهم يُعانون من الجوع والعطش والرماح والسيوف تحيطهم من كل جانب، والقتل يتعدى الرجال إلي الأطفال والصبيان من آل بيت النبى، وسقط أهل وشيعة الحسين واحدًا بعد واحد، ولم يبق حوله غير ثلاثة يقاتلون ويتلقون الضرب عنه، ورأى ابن أخيه عبد الله بن الحسن رجلًا يضرب عمه بالسيف ليصيبه فأسرع إليه يا «ابن الخبيثة».. أتقتل عمى «وحاول الرجل قتل الغلام بسيفه فتلقى الضربة بيده فانقطعت وتعلقت بجلدها، فعانقه عمه يواسيه، وسقط الثلاثة الذين بقوا مع الحسين، وكان يحمل علي الذين عن يمينه فيتفرقون، ويشق الصفوف وحيدًا، وتحرج الخصوم من قتله، وأحب كل منهم أن يلقى وزره على غيره، فأمر أحد قادتهم الرماة أن يضربوه بالنبل من بعيد «ماذا تنتظرون بالرجل؟.. اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم» فاندفعوا نحوه، وضربه «زرعة بن شريك التميمي» علي يده اليسرى فقطعها، وضربه غيره على عاتقه فخر على وجهه، ثم جعل يقوم ويكبو، وهم يطعنونه بالرماح ويضربونه بالسيف حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، وبعد استشهاده وجد فيه ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة غير إصابات النبل والسهام، وأحصاها، بعضهم في ثيابه فإذا هي مائة وعشرون..

واستعجالا للمكافأة قطع أحدهم رأسه ليسلمها لعبيد الله بن زياد بن أبيه.. وكان قد طاف رجل ينادى الناس ويُعلن: «من جاء برأس فله ألف درهم»، ولما رجع ابن قطبة إلي منزله قالت له امرأته إن غلامين لجنا إلينا فهل لك أن تشرف بهما فتبعث بهما إلى أهلهما بالمدينة.. قال: نعم أرينهما، فلما رآهما ذبحهما وحمل رأسيهما إلي عبيد الله بن زياد فلم يعطه شيئًا، وقال: وددت أنه كان جاءنى بهما حيين فمننت بهما على أبى جعفر..

ولم يفلت من أهل الحسين والذين معه إلا خمسة، ولما قتل الحسين نهب وهو جثة هامدة، فأخذ سيفه القلانس، وأخذ سيفًا آخر له «جميع بن الخلق الأزدى»، وأخذ سراويله «بحر بن كعب التميمى وتركه مجردًا، وأخذ قطيفته «قيس بن الأشعت بن قيس الكندى»، فكان يقال له «قيس قطيفة»، وأخذ نعليه «الأسود بن خالد الأودى»، وأخذ عمامته «جابر بن يزيد»، وأخذ برنسه - وكان من خز - «مالك بن بشير الكندى».. وأخذ رجل من العراق حلى فاطمة بنت الحسين، وهو يبكي، فسألته عن سبب بكائه فقال أسلب «بنت رسول الله» ولا أبكي؟ فقالت: دعه، قال: إني أخاف أن يأخذه غيرى..

وقتل من أهل الكوفة من أصحابه ثمانية وثمانون رجلا هذا غير الجرحى، فصلي عليهم عمر بن سعد ودفنهم..

ويقول عباس محمود العقاد: «ان عمر بن سعد لم يخل من غلظة في الطبع علي غير ضرورة ولا استفزاز، فهو الذي ساق نساء الحسين بعد مقتلة علي طريق جثث القتلى التي لم تزل مطروحة بالعراء.. فصحن وقد لمحنها علي جانب الطريق صيحة أسالت الدمع من عيون رجاله، وهم من قاتل الحسين وذويه، هؤلاء وأمثالهم لا يُسمون ساسة ملك ولا تُسمى مهنتهم تدعيم سلطان، ولكنهم يُسمون جلادين متنمرين يطيعون ما في قلوبهم من غلظة وحقد، ويطيعون ما في أيديهم من أموال ووعود، وتسمى مهمتهم مذبحة طائشة لا يُبالى من يسفك فيها الدماء أي غرض يصيب، وأن يزيد عالج الأمر علاج الجلادين الذين لا يعرفون غير سفك الدماء، والذين يسفكون كل دم أجروا عليه»..

وهكذا كان ليزيد أعوان إذا بلغ أحدهم حده فى معونته فهو جلاد مبذول السيف والسوط في سبيل المال.. وكان للحسين أعوان إذا بلغ أحدهم حدة في معونته فهو شهيد يبذل الدنيا كلها في سبيل الروح.. وهي إذن حرب جلادين وشهداء»...

ويقول طه حسين أنها: «منظومة من القتلة.. وهؤلاء لا يمكن أن يكونوا أمراء للمؤمنين في دين الإسلام».

وقد اتفق المؤرخون على أن جسد الحسين دُفِن فى كربلاء حيث استشهد، أما الرأس التي أرسلت إلي يزيد بن معاوية والتي ألقاها أمامه، وظل يحركها بقضيب السلطة في يده حتى قال له أحد الحاضرين «تمهل يا يزيد، فإن هذا الثغر الذي تعبث به كان الرسول يقبله» ولم يخجل يزيد ويُقال أنه احتفظ بها في دولابه لمدة عام، ينظر إليها تلذذًا مُتشفيًا..

هذه الرأس اختلف على مكان دفنها بين ست مدن هي المدينة وكربلاء والدقة ودمشق وعسقلان والقاهرة، فقيل أنها أرسلت إلى جميع البلاد لتطوف بها وصلت عسقلان فدفنها أميرها هناك وظلت حتى الحروب الصليبية عندما دفع الصالح طلائع وزير الفاطميين في مصر ثلاثين ألف درهم لينقلها إلى القاهرة، وأن وزيره «بن رزيك» خرج هو وعسكره حُفاة إلى الصالحية فتلقى الرأس الشريف ووضعه فى كيس من الأبنوس وفرش تحته المسك والعنبر والطيب ودفن في المسجد الحسيني بالقاهرة، وقيل أنها أعيدت بعد فترة إلى كربلاء حيث دُفِنت مع الجسد، وأنها وجدت بخزانة زيد بعد موته فدفنت بدمشق، وقيل أنها أرسلت إلي المدينة فدفنت بالبقيع...

إن قتل الحسين بالطريقة التي تم بها، وبالأوصاف التي رواها المؤرخون تقشعر لهولها الأبدان، لما فيها من بشاعة، وابتعاد عن الإنسانية والتجرد من الشفقة، ومن الرحمة التي جاء بها الإسلام...

ولم تكن هذه مجرد كر.. وبلاء.. ولكنها كانت أيضًا حربًا بشعة استمرارًا للحروب السياسية.. فقد دفعت السياسة بعد ذلك إلى ما هو أكثر بشاعة...

صورة المقال:



الثلاثاء، 18 مارس 2025

عفوًا.. وضاعت الهدنة المستحيلة

 عفوًا.. وضاعت الهدنة المستحيلة

بقلم: عبد الله إمام

الجمهورية الخميس 15 نوفمبر 2001م - ٢٩ شعبان ١٤٢2هـ


بسبب السياسة.. وبعيدًا عن الدين.. قتل الخوارج أمير المؤمنين «على بن أبي طالب» ليلة أنزل القرآن، لأنهم لم يوافقوا على سياسته التي شاركوه ودفعوه فى طريق الاتجاه إليها. ثم لم يعترفوا به أمير للمؤمنين، وعندما صرخت ابنته فى وجه القاتل «يا عدو الله، قتلت أميرًا المؤمنين» رد عليها «ما قتلت إلا أباك»..

وفي قسوة بالغة، بعد دفن أمير المؤمنين «على» فى الكوفة، قام عبد الله بن جعفر بقطع يدى القاتل ورجليه، وفقأ عينيه قبل أن يحرقوه..

وكان «على» قد أوصى بأن «يقتلوا قتلته»، ولا يعتدوا فالله لا يحب المعتدين ولكنهم لم يتبعوا وصية «على»، فقد غلبت عندهم شهوة الانتقام على منطق العقل والحكمة.

لقد دفع القتل السياسي إلى مزيد من القتل وحتى الآن ومنذ وفاة الرسول الكريم فإن آلاف المسلمين سقطوا قتلى وجرحى في حروب صغيرة وكبيرة دفعوا إليها بسبب النزاع على السلطة أو الخلافة حيث لم يرد في الإسلام نظام معين للحكم..

وكان «أبوبكر» قد سمى بخليفة رسول الله وأمر «عمر» ان تستبدل كلمة «خليفة» بعبارة أمير المؤمنين، وليس خليفة.. خليفة.. رسول الله.

لم يكن أمام أهل الكوفة بعد مقتل «على» سوى أن يبايعوا ابنه «الحسن» الذي قال عنه النبى «صلى الله عليه وسلم» «اللهم انى أحبه.. فأحبه» ووصفه هو وأخيه الحسين بأنهما «ريحانتاى من الدنيا وأنهما سيدا شباب أهل الجنة»، وعندما سئل النبى أى أهل بيتك أحب إليك قال: «الحسن والحسين».

لم يعرض الحسن نفسه على الناس ولم يطلب بيعتهم، وإنما دعا إلى هذه البيعة قيس بن سعد بن عبادة فبكى الناس واستجابوا وأخرج الحسن فأجلس للبيعة واشترط على الناس أن يسمعوا ويطيعوا ويحاربوا من حارب ويسالموا من سالم فلما سمع الناس منه تكراره لأمر السلم ارتابوا وظنوا انه يريد الصلح وقال بعضهم لبعض: «ليس هذا لكم بصاحب.. وانما هو صاحب صلح وقد مكث الحسن بعد البيعة حوالي شهرين لا يذكر الحرب ولا يظهر استعدادًا لها حتى ألح عليه رجاله أن يواصل ما كان فيه أبوه فنهض للحرب، وانضم إليه اثنا عشر ألفًا من الجند، وعندما اقتحم بعض الجند على الحسن خيمته وعنفوه على تردده طعنه رجل فلم يقتله ولما شفى من جرحه وتعجل السلم وعاد إلى الكوفة فاستقبل سفراء معاوية الذين أعطوه كل ما أراد..

وكان الحسن حليمًا وقورًا.. حج خمسة وعشرين مرة، عف اللسان، لم يقل فحشًا، ولم يرد حتى على مسبة، لكنه كان كثير الطلاق حتى قال أبوه «على»: يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق، وقالت المصادر التاريخية إنه تزوج تسعين امرأة.

لقد تولى «الخلافة».. والنزاع ساخن فالحرب مشتعلة، وجيوش معاوية قوية، وحقنًا للدماء تفاوض مع معاوية.. على ألا يسب أباه «عليا» وأن يسدد ديونه، ويعطيه ما في بيت مال الكوفة، على أن تكون الخلافة له بعد معاوية أو تكون شورى بين المسلمين جميعًا.

وهكذا تنازل عن السلطة بإرادته، وخلع نفسه، بعد ستة شهور من خلافته ووقع اتفاقًا مكتوبًا، فقد أعطى معاوية ابن أخته طومارا «ورقًا» ختم في أسفله، وقال له اكتب ما شئت فجاء عبد الله بن الحارث بهذا التفويض إلى الحسن فكتب فيه الحسن: «هذا ما صالح عليه الحسن بن على معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على أن يعمل فيها بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين، وعلى أنه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده، وأن يكون الأمر شورى والناس آمنين حيث كانوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم، وعلى ألا يبغى الحسن بن على غائلة سرًا ولا علانية، ولا يخيف أحد من أصحابه.. وشهد على الاتفاق عبد الله بن الحارث وعمرو بن سلمة»، وفى المسجد كان اجتماع لإعلان الاتفاق ومبايعة الحسن لمعاوية قال عمرو بن العاص لمعاوية لتأمر الحسن ليخطب فى الناس ويعلن مبايعته»..

خاف معاوية من تأثير الحسن فى الناس إذا تكلم فرد على عمرو: «لا حاجة لذلك» فقال له عمرو: «ولكني أريد ذلك ليبدو عجزه فإنه لا يدرى هذه الأمور» كان يتصور أن الحسن غير قادر على مخاطبة الناس، ولكن ما حدث هو العكس، وقال معاوية «قم يا حسن وكلم الناس بما جرى بيننا»..

وصعد «الحسن» إلى المنبر ليعلن «لقد كانت لى فى رقبتكم بيعة، تحاربون من حاربت وتسالمون من سالمت وقد سالمت معاوية، وبايعته فبايعوه».

سمع معاوية بيعته على الملأ، وترك العراق مطمئنًا أن الأمور قد استتبت وعاد إلى الشام.. كان هذا الصلح بمثابة هدنة ابتهج بها أنصار معاوية حتى أطلقوا اسم عام الجماعة على تلك السنة التي وقعت فيها حيث توحد المسلمون، وتصالح المتقاتلون على مقعد الرئاسة فى الدولة الإسلامية، ولكن الحسن وشيعة «على» لم يرضوا على تصرفه، فلم يقبلوا منه المبايعة، ولا الصلح ولا الهدنة، واعتبروها عارًا عليهم، وبينما رفض أنصار الحسن هذا الصلح واثقين أنه صلح مستحيل فهم لا يقبلون معاوية، ولا يحبونه، ولا يثقون فيه، وقد تحمل الحسن الكثير من كلمات اللوم والتقريع بسبب هذا الاتفاق وبدأ بعض أنصاره ينفضون من حوله، وكانوا يقولون له «يا عار المؤمنين» ويرد عليهم «العار خير من النار» وقال له واحد منهم « يا مذل المؤمنين «فرد عليه» والله لأن تذلوا وتعانوا أحب إلى من أن تغزوا وتقتلوا».

كان معاوية أيضًا بعيد النظر فوقع اتفاقًا يعرف جيدًا أنه لن ينفذه.. فلن يسمح أبدًا لأحد من أسرة «على» أن يكون أميرًا للمؤمنين أو أن تخرج الامارة من «بني أمية».

وتمضى السياسة في طريقها بعيدًا عن الدين، بل وعن كل القيم، وينقض معاوية الهدنة بطريقة علنية ولكنها ملتوية.

لقد تعهد ضمنيًا وشفويًا أن يترك الإمامة من بعده إلى الحسن.. ووافق الحسن ولأنه صغير السن.. فتصور أنه سوف يأتى عليه الدور ليحل مكان معاوية، وفقًا لهذا الاتفاق ولشروط الصلح، وبذلك تصور الحسن ان تعود الخلافة إلى بيت النبوة، وإلى أبناء «على بن أبي طالب».

وكان معاوية قد أطلق الضوء الأخضر للنيل من «على» ونهش سيرته ومتابعة اتباعه ومقاتلة أنصاره، وأعطى تعليماته إلى المساجد بأن يسب «على» في خطب الأئمة، وبدأت المنابر تشتم «عليًا» ما وسعها إلى ذلك سبيلا، لم تكن هذه الحملة دينية بل سياسية، ولم تكن الاعتراضات فقهية بل سياسية، وسب وقذف علنى بمفهوم هذه الأيام.

وفكر «معاوية» أن يتخلص من الأمر كله.. فيقضي نهائيًا على «الحسن» بعد أن وقف على المنبر ليبايعه، ويتنازل له عن الزعامة، وطائعًا مختارًا ووقع معه اتفاقًا بين بنوده ألا يسب «على» ولا أسرته، وأن يترك للمسلمين بعده حق الاختيار، وتحمل فى سبيل ذلك نقدًا وسخط اتباعه، بل ان الحسن ترك «الكوفة» وعاد ليقيم فى المدينة المنورة وهو شبه معتزل للسياسة.

دبر معاوية مؤامرة ليختفى الحسن نهائيًا من الصورة فإن مجرد وجوده يؤرقه لذلك قرر أن يقتله، واستطاع ان يتفق مع إحدى زوجاته «جعدة بنت الأشعت» على قتله بأن تدس له السم، وقال لها ثمن قتل الحسن مائة ألف درهم، وزواجك من ابنى يزيد وكان يستعد ليوليه الحكم.. والزوجة التي وقع الاختيار عليها كان أبوها قد ارتد عن الإسلام بعد وفاة النبي، وكان بعد ذلك ممن ألزموا «عليًا» بقبول التحكيم، ثم وقف إلى جانب «على» وكانت ابنته ذات تطلعات إلى أن تكون زوجة لولى العهد.. الحاكم الذي سيأتي ويخلف معاوية في السلطة..

كان الاختيار مدروسًا بعناية.. وكان الطلب للتخلص من «الحسن» ضروريًا، فإن أى شخص من بني أمية لن يصبح أبدا وليًا للعهد دون متاعب، والحسن على قيد الحياة، ليس لأن معاوية قد التزم ولا لأنه وقع اتفاقًا مكتوبًا مع الحسن بأن يجعل الأمر من بعده شورى ولكن لأن المسلمين لن يوافقوا على أن يبايعوا أى أحد ويتركوا الحسن.. ولم يكن الحسين قد ظهر في الصورة بعد.. ووضعت «جعدة» السم لزوجها لمدة أربعين يومًا بطريقة مدروسة تضمن القضاء عليه دون أن تظهر حتى أنه قال «سقيت السم ثلاث مرات ولم أسق مثل هذه.. اني لأضع كبدى».. بعد مقتل «الحسن» طالبت الزوجة القاتلة معاوية بالثمن وفقًا للاتفاق فدفع لها المال، ورفض أن يزوجها من ابنه يزيد «لأننا لم نرضاك للحسن، فهل نرضاك ليزيد»، «وانى لأضن بيزيد».

كان واضحًا انه لن يأمن أن يزوج ابنه من امرأة قاتلة قتلت زوجها بالمال فلا ضمان أن تكرره مع يزيد، ويقول الإمام الدينورى «فلما كانت سنة احدى وخمسين مرض الحسن بن على مرضه الذي مات فيه فأرسل عامل المدينة يخبره بشكاية الحسن، فرد عليه معاوية «إن استطعت ألا يمضى يوم يمر بي إلا أن يأتينى خبره فافعل» فلم يزل يكتب إليه بحاله حتى توفى فكتب إليه بذلك، فلما أتاه الخبر أظهر فرحًا وسرورًا حتى سجد وسجد من كان معه، ولما سمع ذلك عبد الله بن عباس وكان بالشام دخل على معاوية، فلما جلس قال معاوية مبتهجًا «يا ابن عباس هلك الحسن بن على».

وربما تأكد الحسن بأن معاوية هو الذى وراء قتله بالسم، ولكنه - وكان شديد التسامح - لم يشأ أن تشتعل حرب بين شيعته ورجاله وبين معاوية فعندما سأله أخوه الحسين «من سقاك يا أخى» رد عليه «لم سؤالك هذا، اتريد أن تقاتلهم.. اتركهم إلى الله عز وجل».

«ويا أخي إذا مت فأطلب إلى عائشة أن أدفن مع النبي، فإذا قبلت فادفني في بيتها، وما أظن القوم إلا سيمنعوك، فإن فعلوا فلا تراجعهم في ذلك، وادفني في بقيع الغرقد».

ورفض بنو أمية ان يُدفن الحسن على مقربة من جده رسول الله، وأقام نساء بنى هاشم عليه النواح شهرًا، ولبسوا الحداد عليه سنة، ولما علمت عائشة خرجت معترضة، وركبت بغلة شهباء وقالت بيتى لا أذن فيه لأحد، فأتا القاسم بن محمد بن أبى بكر فقال لها: يا عمة.. ما غسلنا رءوسنا من يوم الجمل الأحمر، وأتريدين ان يقال يوم البغلة الشهباء؟.. فرجعت.

لم يكن القتل أبدًا من الإسلام.. لكنه بسبب التنازع على مقعد السلطة، وقعت كل هذه الجرائم. وهكذا فإن تحويل الدين إلى سياسة أدى إلى جرائم كثيرة من قبل.. ومن بعد..

صورة المقال:


الاثنين، 17 مارس 2025

عفوًا.. جنود من عسل

 عفوًا.. جنود من عسل

بقلم: عبد الله إمام

الجمهورية الخميس 8 نوفمبر 2001م - 22 شعبان 1422هـ


السياسة التي نادى بها ميكافيللى واشتهر بها منذ القرن الخامس عشر ووضعها فى كتابه الأمير أشهر الكتب فى تدريب الحكام على أن الغاية تبرر الوسيلة، وأنه على الحاكم إلا يلتزم بالشرف والأخلاق.. هذه السياسة طبقها معاوية فعلا، ووضعها في التنفيذ قبل ميكافيللي بقرون..

معاوية واحد من دهاة العرب.. وصفه عمر بن الخطاب بأنه كسرى، وقال عنه الرسول «لا أشبع الله بطنه»..

ويبدو أن الإسلام لم يكن استقر فى عقله ووجدانه على نحو ما حدث لصحابة رسول الله حتى أنه سأل النبى «ص» بعد أن أسلم «بأى شيء غلبتني يا محمد» ورد عليه «بالله.. غلبتك يا أبا سفيان»..

قاد أبو سفيان الحروب ضد النبى، وضد الإسلام، وكان صاحب القوافل القادمة من الشام والتى وقعت بسببها غزوة بدر، وكان جده رئيس الجيش النافر لحماية قريش.. أبوه صاحب العير، وجده صاحب النفير الذي يضرب به المثل «لا في العير ولا في النفير».

وقد أسلم هو وأبوه وأخوه وأمه هند يوم فتح مكة.. وكرمهم الرسول فقال «من دخل بيت أبو سفيان فهو آمن»، ومع ذلك ظل المسلمون لا يرتاحون له فلا يقتربون منه، فلا هم يجالسونه ولا هم يصادقونه..

ابتسمت الدنيا لمعاوية بعد تولى عثمان، وأقام إمبراطورية بني أمية التي حكمت وتحكمت أكثر من تسعين عامًا حكم خلالها أربعة عشر خليفة وتوسعت في عهدها الفتوحات، وامتدت الدولة، ودخلتها أبهة الملك، وسطوته وعرفت التعقيدات والبروتوكولات والمراسم الملكية، وأقام معاوية حرسًا خاصًا، وبنى لنفسه مقصورة داخل المسجد يصلى فيها وحده، ويقف حارسان على رأسه فى ايديهما السيوف حتى لا يحدث له ما وقع «لعلى بن أبي طالب» من قتل وهو يصلى..

واشتهر معاوية الى جانب الدهاء بالعنف في الخصومة، والسخاء في شراء الأنصار حتى كون حزبًا من المستفيدين به والمنتفعين بوجوده.

واشترى عددًا من الضياع، وجعلها خالصة لنفسه، وأقطعها أهل بيته وخاصته وشيد لنفسه القصور في جميع الولايات الإسلامية.

وجعل معاوية خطبة الجمعة قبل الصلاة لأول مرة، ومازالت حتى اليوم، وكانت من قبل بعد الصلاة، ولكنه لاحظ أن الناس إذا صلوا انصرفوا لئلا يسمعوا السب والقذف فى حق «على»، لذلك قدم الخطبة على الصلاة..

بدأ معاوية تأسيس هذه الإمبراطورية بعد أن اتخذ من مقتل عثمان وسيلة لتدعيم نفوذه، واستقرار حكمه، ومحاربة أعدائه، ومد سطوته بالمال أحيانًا وبالسيف فى كثير من الأحيان، ورغم توسع الفتوحات الإسلامية في عصره فلم تكن لديه قيمة للبشر، وكان إنهاء حياة الإنسان عنده من أبسط الأمور..

وقد بايعته المدينة ومكة واليمن باستخدام أبشع الأساليب وأكثرها بعدًا عن الدين والأخلاق، بسبب السياسة فقد بعث إلى اليمن جيشًا من ثلاثة آلاف رجل على رأسه «بن أرطأه» وأوصاه وهو فى طريقه أن يمر بالمدينة فينهب كل ما يقدر عليه، ويخيف سكانها حتى يبايعوه، وفي طريقه قتل «خلقًا» كثيرًا فى المدينة «ما تركت مُحتلمًا إلا قتلته» وهكذا بايعه أهل المدينة... واتجه إلى مكة.. وبايعته بنفس الطريقة.. ثم ذهب الى اليمن وقتل أيضًا «خلقًا كثيرًا وكلما سمع عن شخص يؤيد على بن أبى طالب قتله.. وفر حاكم اليمن، وجاء حاكم جديد قتله «بن أرطأه» وقتل ابنه، وقابل عبد الله بن العباس فذبح طفلين له، وأصيبت أمهما بالجنون..

وسبي لأول مرة النساء المسلمات، وباعهن فى السوق فيما سمى «يوم العورة» لأنه أجلس النساء المسلمات فى السوق كاشفات سيقانهن..

وكانت لمعاوية وسيلة شهيرة اعتمدها أسلوبًا أساسيًا للقتل، وهي القتل بوضع السم فى العسل.. وإعطائه لمن يريد التخلص منه ليتناوله حتى وهو جالس معه.. قتل العشرات بل والمئات عن طريق إطعامهم جرعات العسل المسموم، وكان لديه طبيب متخصص فى صنع خلطة السم في العسل، وكان يقول «إن الله بعث لنا جنودًا من عسل» إذ اعتمد فى القتل على جنود العسل بشكل أساسى للتخلص من أعدائه السياسيين، ومع أنه لم يهمل الوسائل الأخرى في إزهاق أرواح المسلمين..

تتبع معاوية بعد أن دانت له السلطة كل من حامت حولهم الشبهات بقتل عثمان أنصار - على وشيعته - فقتلهم جميعًا بطريقة وحشية بعيدة عن كل إنسانية.. ولم يكن الهدف قتلة عثمان والمشتبه فيهم بقدر ما كان القضاء على معارضيه السياسيين، وتعقب المشايعين لعلى بن أبي طالب..

كان عمرو الخزاعي أحد أربعة دخلوا الدار على عثمان ثم شايع «على» وحضر معاركه «الجمل وصفين والنهروان»، ثم هرب من معاوية بعد مقتل «على» حيث اختفى فى دار قرب الموصل، فأرسل معاوية إلى الوالي أن يبحث عنه ليقتله، وبعد البحث وجده الوالى ميتًا في الغار بعد أن لدغته حية فلم يسكت ولكنه قطع رأسه وهو ميت وأرسلها إلى معاوية، وكانت هذه أول رأس مقتولة تُسافر آلاف الأميال إلى حيث الخليفة.. فقد حقق سبقًا إجراميًا كان الأول فيه.. وكان معاوية قد ألقى القبض أيضًا على زوجة «عمرو الخزاعي» وهى «آمنة بنت الشريد» وحبسها فى سجن دمشق كرهينة حتى يظهر زوجها، فلما جاءته رأس زوجها ألقى بها في حجرها «فارتاعت لذلك ثم وضعته في حجرها، ووضعت يدها على جبينه ولثمت فاه وقالت» غيبتموه عنى طويلا ثم أهديتموه إلى قتيلا! وهكذا كان صاحب سبق فهو أيضًا.. أول حاكم يأخذ رهينة من أسرة شخص مطلوب حتى يسلم نفسه أو يقبض عليه، وكان أول حاكم حبس النساء بسبب ممارسات أزواجهن..

وليست هناك قسوة أكثر مما اتبعه معاوية نفسه مع الثلاثة الآخرين الذين عارضوه وشايعوا «على» وقيل أنهم اشتركوا في قتل عثمان..

كان «على» قد اختار «الأشتر» لولاية مصر، وعرف معاوية أنه سوف يصعب عليه بشراء هذا الحاكم الجديد أسوة بما اتبعه مع الحكام الذين اشتراهم من قبل، فأرسل إليه أحد رجاله بعد أن وعده إذا كفيتنى «الأشتر» لن آخذ منك خراجًا ما بقيت أنت وبقيت أنا.

ذهب الرجل الى «الأشتر»، وهو فى طريقه الى مصر، استطاع أن يدس له السم ويقتله.. وعين «على» بدلا منه محمد بن أبى بكر الصديق، فلم يرحمه معاوية هو الآخر وقتله بوحشية مُقززه لا يتصورها أحد.. فلم يشفع له أنه أنكر قتل عثمان ولم يشفع له أنه ابن أول خليفة للمسلمين، وأنه شقيق عائشة زوجة الرسول.. وكان «على» قد ولاه على مصر، فأرسل جيشه لمحاربته حتى ظفر به وقتله، وذبح حمارًا وشق جوفه، ووضعه فيه، ثم أوقد نارًا في الحمار المقتول والجثة بداخله.. لقد أحرق جثمان ابن الخليفة الأول في جوف حمار ميت.... أى ابتعاد عن الإنسانية.. هذا؟؟

امتد القتل بمعاوية من الذين يعارضونه، أو يهددون سلطته إلى الذين يعارضون ظلم الحكام الذين وضعهم على رأس الولايات، وأصبحوا رجاله وجزءًا من منظومة حكمه، أو الذين يتحدثون عن «على» بالخير أو يرفضون شتمه، فعندما اعترض «حجر بن عدى» على سياسة زياد بن ابيه والى الكوفة ورفض سب «على» ألقى القبض عليه، وبعث به إلى معاوية ومعه أربعة عشر رجلا في سلاسل من حديد، يحرسهم مائة جندي، وعرض عليهم معاوية أن يتبرأوا من «على» فرفضوا فحفرت لهم قبور أمام أعينهم، وحامل السيف يطيح برؤسهم فردًا فردًا من بينهم «حجر»..

وكان «حجر» صحابيا جليلا حتى أن السيدة عائشة عاتبت معاوية على قتله.. وكان أحد رجال معاوية قد اعترض على قتلهم، ونصحه بوسيلة أفضل «أن يتركهم فى السجن حتى يلحقهم الطاعون».. أى أن يقتلهم بطريقة أخرى غير السيف والسم..

ويقال إن معاوية عندما كان يعانى سكرات الموت كان يردد «ويل لى من حجر وأصحابه»، وكان حجر قد طلب الصلاة وقال «أنا لم اجزع وأنا أرى سيفًا مشهورًا، وكفنًا منشورًا، وقبرًا محفورًا».

كان عبد الرحمن بن عديس قائد الذين قدموا من مصر لحصار عثمان، وواحدًا من الذين حضروا بيعة الرضوان تحت الشجرة، الذين لا يجوز قتلهم لأن الله رضى عنهم، ونزلت فيهم الآية الكريمة «لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة»..

وكان معاوية قد ألقى القبض عليه وسجنه في «الخليل» بفلسطين، واستطاع الهرب من السجن، ولكن رجال معاوية لحقوا به في الطريق وأمسكوه، ولما هم واحد منهم بقتله، قال له «ويحك.. اتق الله في دمي فإني من أصحاب الشجرة ورد عليه القاتل بسخرية «الشجرة.. بالخليل كثير من الشجر».. و.. و.. وقتله.. وعندما وقف في المسجد في دهاء ليُمهد لولاية ابنه يزيد ويُعلن مُدعيًا أنه يبحث عمن يحل مكانه خطب يقول: «كبرت سنى وقرب أجلى وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظامًا لكم».. اتجهت أنظار الناس إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والى حمص، فقد نهض بالإقليم وهو أيضًا محبوب، وقبل ذلك فإنه صاحب تاريخ.. لأنه ابن خالد بن الوليد سيف الله المسلول وخاف منه معاوية، وظن أن الناس سوف يبايعونه، وأنه مُنافس قوى لابنه يزيد لذلك قرر التخلص منه.. فدس عليه من سقاه سما.. فمات ضمن المئات الذين قتلهم.. لما مرض معاوية.. مرض الموت أوصى ابنه يزيد قائلا أنظر إلى أهل الحجاز، منهم أصلك وعترتك فمن أتاك منهم فأكرمه، ومن قعد عندك فتعاهده وأنظر أهل العراق، فإن سألوك عزل عامل فى كل يوم فاعزله، فإن عزل عامل واحد أهون من سل مائة ألف سيف، لا تدرى على من تكون الدائرة، ثم أنظر الى أهل الشام فاجعلهم الشعار لا الدثار لست أخاف عليك إلا ثلاثة الحسين بن على، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر..

ومات معاوية وعمره 77 عاما في شهر رجب سنة ٦٠ هجرية بعد حكم ما يقرب من عشرين عاما حج فيها مرتين فقط.. واتبع يزيد وصايا أبيه بالضبط..

صورة من المقال: