Share/Bookmark
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جمال حماد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جمال حماد. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 6 فبراير 2020

كيف ابتعد السودان عن مصر؟

كيف ابتعد السودان عن مصر؟
بقلم: اللواء ـ جمال حماد
المؤرخ العسكرى
الأهرام الاثنين 17 سبتمبر 2007م - 5 رمضان 1428هـ

أشار الكاتب الكبير صلاح الدين حافظ في مقاله بعدد الأهرام الصادر في الخامس من سبتمبر الحالي الي أن ثورة 23 يوليو اتخذت قرارا تاريخيا بمنح السودان استقلاله مما أغضب الكثيرين ممن كانوا يؤمنون بأن مصر والسودان بلد واحد واتهموا جمال عبد الناصر بالتخلي عن توأم الروح تحت الضغط البريطاني المدفوع بتيارات انفصالية سودانية.

واستكمالا لمقالكم الرائع وتوضيحا لأهم العوامل التي أدت إلى اعلان استقلال السودان وعدم الاتحاد مع مصر آثرت ان أكشف لكم عن بعض الحقائق المتعلقة بهذه القضية لصالح القراء وحرصا على الأمانة التاريخية. وكما تعرفون كان السودان منذ عقد اتفاقية الحكم الثنائي (المشئومة) بين مصر وبريطانيا في 19 يناير 1899 خاضعا لحكم بريطاني مصري من الناحية القانونية ولحكم بريطاني شمولي منفرد من الناحية الواقعية، وعندما قامت ثورة يوليو بقيادة اللواء محمد نجيب لقيت تأييدا شاملا من جماهير الشعب السوداني فقد كان الكثيرون منهم يعتبرون أن محمد نجيب نصفه مصري ونصفه سوداني وذلك بحكم مولده ونشأته ومسيرته الدراسية في مدارس وادي حلفا ثم في كلية غوردون بالخرطوم وعلاقاته القديمة الوثيقة بأهل السودان وكانت وجهة نظر محمد نجيب في قضية السودان تختلف تماما عن وجهة نظر الاحزاب المصرية في مفاوضاتها طيلة 70 عاما مع بريطانيا، فبينما كان المفاوضون المصريون يتمسكون دائما بأن يكون لملك مصر حق السيادة علي السودان مما كان يغضب السودانين وهو الأمر الذي أدي الي فشل جميع المفاوضات بين الطرفين كان محمد نجيب يعتنق مبدأ حق السودانين في تقرير مصيرهم.

وأوضح محمد نجيب في مذكراته أن خطواته الأساسية الأولي كانت تستهدف جمع السودانيين بمختلف احزابهم علي موقف موحد تعاونهم فيه مصر وهذا ما دعاه الي توجيه دعوته في البداية الي زعماء حزب الأمة المعروف بتمسكه باستقلال السودان للحضور الي القاهرة وأمكنه بفضل علاقاته القديمة مع السيد عبد الرحمن المهدي راعي هذا الحزب والذي تعمد محمد نجيب استقباله والحفاوة به في اثناء وجوده في مصر بصورة رائعة ان يعقد اتفاقا مرضيا للطرفين يوم 29 اكتوبر 1952 وعندما حضر زعماء الأحزاب الاتحادية العديدة الي القاهرة كانت ضربة معلم صائبة من محمد نجيب ان ينجح في اقناعهم بضرورة توحيد جميع الاحزاب الاتحادية المشتتة في حزب واحد هو الحزب الوطني الاتحادي وتم توقيع الاتفاق في منزل محمد نجيب يوم 3 نوفمبر واختير اسماعيل الازهري ليكون رئيسا لهذا الحزب.

ولم تلبث المفاوضات ان بدأت في القاهرة بين مصر وبريطانيا لتعديل دستور الحكم الذاتي في 20 نوفمبر 1952 وعندما تعثرت المفاوضات بين الوفدين بسبب العقبات التي ظهرت اقترح السفير البريطاني بالقاهرة رالف ستيفنسون علي محمد نجيب قيام الرائد صلاح سالم عضو الوفد المصري في المفاوضات بجولة في جنوب السودان ليري بنفسه احوال الجنوب وتم لصلاح سالم بالفعل القيام بهذه الرحلة مع عدد من المرافقين في 28 ديسمبر 1952 واستغرقت زيارته عشرة ايام كاملة وشارك صلاح قبيلة الدنكا في غابات تيمولي في رقصتهم للحرب عاريا مثلهم فيما عدا ستره لعورته وفقا لتقاليدهم وعلي الرغم من ان هذا العمل قوبل من الاهالي الجنوبيين بالسرور فإنه قوبل بالسخرية من بعض الدوائر السياسية خاصة في بريطانيا مما جعل الصحف البريطانية تطلق عليه اسم ( الرائد الراقص) واخيرا نجحت المفاوضات وتم للوفدين المصري والبريطاني توقيع اتفاقية الحكم الذاتي للسودان بمقر رئاسة الوزراء بالقاهرة يوم 12 فبراير 1953.

وعندما اعلنت نتائج الانتخابات البرلمانية التي اجريت في السودان في 25 نوفمبر 1953 اتضح ان الحزب الوطني الاتحادي اكتسح باقي الاحزاب واصبحت له اغلبية ضخمة في مجلسي النواب والشيوخ وفي يوم 6 يناير 1954 تم لمجلس النواب انتخاب اسماعيل الأزهري رئيسا للوزراء وتشكلت الوزارة من اثني عشر وزيرا كانوا جميعا من الحزب الوطني الاتحادي واحتفلت جميع وسائل الاعلام في مصر بهذا الفوز الساحق وأصبح الشعبان المصري والسوداني ينتظران في شوق قرب الاعلان عن اتحاد البلدين الشقيقين.

ومما يؤسف له أن تلك الآمال العريضة التي كان الشعبان ينتظران في شغف قرب الإعلان عنها لم تكن الأحوال السياسية في مصر تساعد علي تحقيقها ففي اعقاب أزمة مارس 1954 وفي إثر حدوث محاولة اغتيال جمال عبدالناصر رئيس وزراء مصر وقتئذ في ميدان المنشية بالإسكندرية يوم 26 أكتوبر استغل مجلس قيادة الثورة هذه الجريمة الفردية للإطاحة بقائد الثورة محمد نجيب فصدر القرار في 14 نوفمبر بإعفائه من منصب رئيس الجمهورية برغم أنه كان وقتئذ منصبا فخريا لا يمنح صاحبه أية سلطات في يده وبرر المجلس ذلك بأن بعض المتهمين في القضية رددوا بأن محمد نجيب كان علي صلة بالإخوان المسلمين وتغافل مجلس الثورة عن العواقب الخطيرة والآثار الضارة التي ستلحق بقضية الاتحاد الخالدة بين الشعبين الشقيقين في سبيل تحقيق غرض زائل وهو ضمان الاستمرار في ممارسة السلطة في مصر والبقاء في الحكم.

وأثارت الإطاحة بمحمد نجيب وتقييد حريته الشخصية بهذه الطريقة المهينة مشاعر السودانيين الذين كانوا يعتبرونه رمز الاتحاد بين البلدين فضلا عن خشيتهم مما سوف يحيق بهم إذا ما اتحدوا مع مصر بعد أن رأوا ما ارتكبه أعضاء مجلس الثورة ضد رئيسهم وقائد ثورتهم لذا بدأ ابتعادهم تدريجيا عن قضية الاتحاد مع مصر. ولم تكن تنحية محمد نجيب عن منصبه هي العامل الوحيد في ابتعاد شعب السودان عن فكرة الاتحاد مع مصر فقد كانت هناك عوامل عديدة أخري كان في مقدمتها تلك المحنة المروعة التي تعرض لها الاخوان المسلمون في مصر والتي لم يسبق لها مثيل في قسوتها بسبب واقعة محاولة الاغتيال الفاشلة في ميدان المنشية.

وأدت سياسة إسماعيل الأزهري المتسمة بالجفاء والتباعد عن مصر إلي حدوث جولات من الصدام الحاد والهجمات العنيفة المتبادلة في وسائل الاعلام بينه وبين صلاح سالم المسئول المصري عن شئون السودان وكان صلاح سالم برغم نجاحه المرموق في المرحلة السابقة قد اتبع في السودان سياسة شديدة الخطورة وهي استخدام وسيلة توزيع الاموال والرشاوي لاجتذاب الاعوان والمؤيدين مما جعل الساحة السياسية تخلو من طائفة المؤمنين الحقيقيين بالقضية الخالدة خشية أن تلحق بهم الشكوك في تقاضيهم الرشاوي والأموال من صلاح سالم وأعوانه إذا ما أبدوا مشاعرهم علانية أو تحمسوا لقضية الاتحاد علي رءوس الاشهاد لذا لم يبق بالساحة سوي طائفة من المنتفعين والانتهازيين والمرتزقة.

ومما يدعو إلى العجب أن صلاح سالم في لقائه المنفرد مع عبد الناصر في مكتبه يوم 25 أغسطس 1955 وبعد أن وصل مركز مصر في السودان إلى أسوأ حال أدلي باعترافات مثيرة للغاية أمامه فقد اعترف بأن المعلومات التي كان يرسلها إليه عن السودان لم تكن تمثل الحقيقة هناك وانه أصبح كارتا محروقا بالنسبة لمصر في السودان ثم تقدم إلي عبد الناصر باقتراح ظنا منه أنه يمكن التغرير به وهو ان يسافر عبد الناصر في اليوم التالي إلى الخرطوم ليعلن بنفسه أمام البرلمان استقلال السودان وبذا يصبح هو بطل الاستقلال. وفطن عبدالناصر بذكائه إلي هدف صلاح سالم من ذلك الاقتراح وهو أن يفلت من المأزق الذي يواجهه بعد انهيار سياسته في قضية السودان التي كان الشعب المصري بفضل الدعايات المضللة التي كانت تذيعها وسائل الاعلام المصرية بأمر صلاح سالم وزير الارشاد ( الإعلام) لا يزال غارقا في احلامه الوردية بقرب إعلان الاتحاد بين مصر والسودان كما أن هذا الاقتراح كان يكفل له التنصل من فشل سياسته الخاطئة في السودان ويلقي بها علي عاتق غيره ولكن عبدالناصر لم تنطل عليه هذه الحيلة وعبر لأعضاء مجلس الثورة عن سخريته من هذا الاقتراح وذكر لهم أن الأفضل له إذا ما نفذ الاقتراح ان يتوجه من الخرطوم للجوء إلى الكونغو رأسا وعدم العودة إلى مصر حتى لا يواجه ثورة الشعب ضده.

وفي أول يناير 1956 عقد البرلمان السوداني جلسته التاريخية التي أعلن خلالها رئيس الوزراء اسماعيل الازهري استقلال السودان ثم أخطر اعضاء البرلمان انه قد تلقي اعترافا بهذا الاستقلال من جمال عبد الناصر رئيس وزراء مصر وسلوين لويد وزير خارجية بريطانيا وهكذا تم استقلال السودان وطويت قضية الاتحاد بين السودان ومصر الي حين ولا نقول إلى الأبد.

الأربعاء، 25 سبتمبر 2019

جمال حماد

لماذا التشويه فى أحداث ليلة الثورة؟

لماذا التشويه فى أحداث ليلة الثورة؟
جمال حماد
مؤرخ عسكرى
الأهرام الأحد 22 يوليو 1990م - 30 ذو الحجة 1410هـ

ليس بمستغرب أن يتناول الكتاب المؤرخون سواء من المصريين أم الأجانب ثورة 23 يوليو 1952 بالتحليل والتقييم فهذا أمر متوقع لثورة تعتبر أم الثورات فى العالم الثالث والشعلة التى ألهبت شرارة التحرر فى كل البلدان التى كانت تئن تحت وطأة الاستعمار. وليس هناك من حرج لكل من يتعرض بالنقد الموضوعى لثورة يوليو المجيدة فيشيد بإيجابياتها وانجازاتها ويوجه الذم. الى سلبياتها ونقائصها لأن هذه الثورة مثل غيرها من ثورات العالم لها جانبها المشرق المضىء وفى الوقت نفسه لها وجهها القائم الردىء.
ولا عجب فى أن يبذل أعداء الثورة ممن فقدوا نفوذهم وسلطاتهم محاولاتهم للهدم والتخريب وتجريد الثورة من كل إيجابياتها وتشويه أمجادها والعمل على تزييف وتزوير تاريخها عن طريق التشكيك فى حقيقة أدوار بعض قادتها ليلة 23 يوليو أو نعتهم بالجبن والتهرب من مواجهة الموقف فضلا عن الحماقة وسوء السلوك.
ولكن الأمر الذى يثير العجب أن يصدق بعض المؤرخين والكتاب الأفاضل هذه الشائعات والأباطيل فيدونوها فى كتبهم ومقالاتهم على انها حقيقة واقعة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التثبت من صحة ما يروون أو محاولة الاتصال بشهود هذه الوقائع للتأكد من حقيقة ما يكتبون متنكبين بذلك جادة الحق والصواب ومنهاج البحث العلمى السليم.
ومن أكثر هذه الشائعات انتشارا وأشدها تجريحا وايلاما شائعتان تتعلق احداهما بجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وتتعلق الأخرى بالمقدم يوسف منصور صديق وقد رأيت من واجبى أن اتصدى لهاتين الشائعتين بالدراسة والتحليل بالطريقة الموضوعية وبأسلوب البحث العلمى الدقيق لا أستهدف من وراء ذلك الا التوصل الى الحقيقة ومما يدفعنى للقيام بهذا الواجب هو كونى أحد الذين أتيحت لهم الفرصة بحكم اشتراكى فى الثورة كى أشاهد عن كثب جانبا كبيرا من احداث تلك الليلة الخالدة فى تاريخ مصر ولأكون واحدا من شهود عيانها مما يحتم على أن أقدم شهادتى عملا بقول الحق سبحانه وتعالى "ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم".
***
ان الشائعة الأولى التى ذاعت وشاعت تروى أن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر كانا فى ساعة الصفر يرتديان الملابس المدنية بقصد الهرب بعد انكشاف أمر الحركة للمسئولين وان هذا هو السبب فى أن قوة يوسف صديق ألقت عليهما فى مصر الجديدة وانه سبق لهما شراء تذكرتين فى سينما الفالوجا واحتفظا بهما كدليل ينفى اشتراكهما فى حركة الجيش.
وحقيقة ما حدث هو ان جمال عبد الناصر علم فى حوالى الساعة الحادية عشرة والنصف مساء يوم 22 يوليو من أحد الضباط الأحرار الذى كان يعمل فى المخابرات الحربية أن حركة الجيش تم للسلطات العليا اكتشافها وأن الملك فاروق اتصل من الاسكندرية بالفريق حسين فريد رئيس أركان حرب الجيش فى القاهرة الذى دعا قادة الجيش لحضور مؤتمر عاجل فى مكتبة بمبنى رئاسة الجيش بكوبرى القبة (وزارة الدفاع حاليا) وطلب الضابط من عبد الناصر ان يلغى كل شيء. إلغاء كل ما تم اتخاذه من إجراءات انقاذا للموقف ولكن تنفيذ ذلك الطلب كان أمرا مستحيلا فقد وصل الضباط الأحرار الى وحداتهم وفقا للتعليمات وحسبما قال بعد الناصر أن العجلة قد دارت ولن يستطيع انسان أن يوفقها.
ولم يخامر عبد الناصر اليأس عندما تلقى هذه الأنباء المزعجة قبل ساعة الصفر بحوالى ساعة ونصف الساعة بل على العكس هداه تفكيره الى ضرورة تعديل الخطة وانتهاز فرصة تجمع القادة فى مبنى رئاسة الجيش لاقتحام المبنى بأقرب فرصة دون انتظار ساعة الصفر لاعتقال جميع القادة الموجودين بضربة واحدة، وأسرع عبد الناصر بسيارته إلى منزل عبد الحكيم عامر بالعباسية الذى ركب الى جانبه واتجه الاثنان على الفور الى معسكر الكتيبة 13 مشاة بالعباسية التى خصص لها الدور الأكبر فى تحركات المشاة بالخطة لتوجيه قوة منها الى مبنى الرئاسة لاقتحامه.
ولكن عبد الناصر وعبد الحكيم لم يتمكنا من دخول معسكر العباسية فقد شاهدا قوة كبيرة من البوليس الحربى تحتل البوابة الرئيسية وتسد الطريق الى المعسكر فاتجه تفكيرها كما ذكر عبد الناصر الى التوجه الى كمال الدين حسين فى ألماظة ليحصلا منه على قوات من المدفعية لتنفيذ فكرة الهجوم على مبنى رئاسة الجيش.
وفى طريقهما الى ألماظة وعند ميدان الكربة بمصر الجديدة التقى الاثنان مصادفة وبطريقة غريبة بطابور من العربات العسكرية المحملة بالجنود وكان الطابور متوقفا فى أحد جوانب الميدان. وأيقن عبد الناصر أن هذا الطابور هو من القوات التى حركها الفريق حسين فريد لضرب الحركة فان ساعة الصفر التى يبدأ فيها تحرك قوات الحركة باق عليها ما لا يقل عن نصف ساعة كما أن على رأس الطابور سيارة ركوب يخفق عليها علم القيادة وداخلها قائدان يرتديان الكابات الحمراء فاقترب عبد الناصر وزميله خطوات من الطابور لاستطلاع حقيقة أمره واذا بهما يجدان نفسيهما بعد لحظات وسط مجموعة من الضباط والجنود المجهولين والبنادق والسونكيات مشهرة فى وجهيهما وأسقط فى أيديهما وأدركا أنهما قد وقعا فى كمين محكم أعدته لهما القوات الموالية للملك وأن حركة الجيش قد فشلت.
ولكن الموقف الحقيقى لم يلبث أن تكشف لهما وجاءهما الفرج على غير انتظار ولمحا المقدم يوسف صديق ينزل من سيارته الجيب فى أول الطابور ليخرجهما من هذه الورطة ويخبرهما أن الطابور الذى شاهداه هو طابور قواته من كتيبة مدافع الماكينة الأولى القادم من معسكر الهاكستيب وان القائدين اللذين فى العربة بمقدمة الطابور هما قائد الفرقة الثانية وقائدها الثانى وأن قواته أسرتهما أثناء التحرك.
وأكتشف يوسف صديق لأول مرة انه قد بلغ ساعة الصفر خطأ وانه تحرك مبكرا ساعة عن الموعد الصحيح الذى كان محددا له الواحدة صباحا بسبب خطأ المندوب الذى تولى اخطاره بالموعد. وكان هذا اللقاء الذى تم مصادفة والتحرك الذى جرى قبل ساعة موعده دليلا واضحا على تدخل القدرة الإلهية لإنقاذ حركة الجيش من الفشل وتم الاتفاق بين عبد الناصر ويوسف صديق على أن يواصل الطابور تحركه الى مبنى رئاسة الجيش لاقتحامه واعتقال جميع القادة الموجودين فى مكتب الفريق حسين فريد.
***
ولو ناقشنا بعد أن أوردنا هذه التفاصيل شائعة أن عبد الناصر وعبد الحكيم عامر كانا يرتديان فى هذا الوقت الملابس المدنية مناقشة موضوعية لأدركنا استحالة تصديق هذا الادعاء فان عبد الناصر وزميله كانا فى طريقهما الى ألماظة لمحاولة الحصول على قوة من المدفعية يمكن تحريكها على وجه السرعة للانقضاض على القادة المجتمعين فى مكتب الفريق حسين فريد بمبنى الرئاسة بكوبرى القبة والقيام بأسرهم قبل أن ينجحوا فى اتخاذ الترتيبات المضادة للحركة.
فهل كان عبد الناصر وزميله يتصوران امكان السماح لهما بدخول منطقة ألماظة المكتظة بمعسكرات الجيش والمليئة بنقاط وبوابات التفتيش التى يتولى أمرها رجال البوليس الحربى وهما يركبان عربة عبد الناصر (الأوستن) الصغيرة الملاكى ويرتديان الثياب المدنية؟ وكيف تيسر لهما ارتداء الثياب العسكرية فى الفترة الزمنية القصيرة التى لم تتجاوز نصف الساعة وهى الواقعة بين لقائهما بقوة يوسف صديق فى مصر الجديدة وبين لقائهما بمجموعة كبيرة من الضباط الأحرار عند بوابة مبنى رئاسة الجيش بكوبرى القبة بعد انتهاء عملية اقتحام المبنى وأثناء نزول الفريق حسين فريد من مكتبه تحت الحراسة وفى طريقة الى المعتقل بالكلية الحربية. لقد شاهدهما كل الضباط الموجودين وقتئذ على بوابة رئاسة الجيش ومنهم كاتب هذه السطور وكانا يرتديان الملابس العسكرية.
وقد ذكر الملازم ثان محمد متولى غنيم وهو الضابط الذى ألقى القبض على عبد الناصر عند اقترابه من طابور كتيبة مدافع الماكينة الأولى ليلة 23 يوليو أن سبب القائه القبض عليه انما يعود الى رؤيته له مرتديا ملابسه العسكرية برتبة المقدم وكانت الأوامر الصادرة اليه من قائده يوسف صديق تقضى بالقبض على كل ضابط برتبة المقدم فما فوق لحين ان تتضح هويته. ونظرا لعدم معرفته لجمال عبد الناصر فقد بادر بتنفيذ التعليمات وألقى القبض عليه بينما طلب من الرائد الذى برفقته (عبد الحكيم عامر) الابتعاد عن طابور الكتيبة. وأكد الملازم غنيم أن عبد الناصر لو كان يرتدى ملابس مدنية لما تعرف عليه وعلى رتبته ولما ألقى القبض عليه. وفضلا عن شهادة محمد غنيم التى لا نشك فى صدقها فقد شهد كل الضباط الأحرار الذين كانوا ضمن طابور كتيبة مدافع الماكينة الأولى وحضروا واقعة لقاء عبد الناصر وعامر مع طابور الكتيبة فى ميدان الكربة بأن الاثنين كانا يرتديان ملابسهما العسكرية. ولا يمكن تجريح شهادات كل هؤلاء خاصة وانهم أدلوا بها بعد وفاة عبد الناصر وعامر بسنوات عديدة.
أما ما أشيع من أن عبد الناصر وعبد الحكيم اشتريا تذكرتين فى سينما الفالوجا واحتفظا بهما كدليل ينفى اشتراكهما فى حركة الجيش فهذا قول يثير السخرية ولا يحتاج الى مناقشة جدية فان الاجتماعات التى حضرها كلاهما فى بعض المنازل مع مجموعات كبيرة من الضباط الأحرار من مختلف أسلحة الجيش فى الأيام التى سبقت الحركة مباشرة لقراءة الخطط وتوزيع الواجبات والتى اضطرا بسببها الى التخلى عن دواعى السرية والحذر جعلت شخصيتهما تنكشفان لعدد كبير من هؤلاء الضباط وهو الأمر الذى لا يصلح معه بعد ذلك تدبير أى دليل نفى مهما بلغت درجة قوته واحكامه فما بالك اذا كان هذا الدليل بهذا الحد من السذاجة وهو شراء تذكرتى سينما والاحتفاظ بهما للنجاة من العقاب فى حالة فشل حركة الجيش!!
أما الشائعة الثانية التى سنقوم بتحقيقها والتى تكرر نشرها من قبل وقد كتبها أخيرا أحد أساتذة التاريخ فى احدى مقالاته فقد ورد فيها ما يلى:
"وقيل عن هذا التحرك ان الموعد المحدد كان الثانية عشرة مما جعل يوسف صديق يذهب الى كازينو بالميرا فى مصر الجديدة حتى يصرف الانظار عنه فشرب عدة كئوس (من البراندى) حتى يأتى موعد مهاجمة مقر وزارة الحربية، وظن يوسف صديق أن العقرب الصغير مكان الكبير ثم تحرك مبكرا عن الموعد وكان هذا التفكير سببا فى انتصار الثورة.
وقبل البدء فى أى مناقشة فإننا نبدى اعتراضا على أن يقوم اى كاتب أو مؤرخ بتسجيل واقعة خطيرة مثل هذه الواقعة معتمدا على كلمة (قيل) فان تسجيل الوقائع التاريخية لا يمكن أن يتم عن طريق القول المبنى للمجهول وهو أمر يستغرب حدوثه بالطبع من أستاذ جامعى متخصص فى تدريس التاريخ.
إن تحركات يوسف صديق ابتداء من مساء يوم 22 يوليو كما دونها فى مذكراته وكما تأكدت من شهادات الضباط الذين لازموه ولم يفارقوه لحظة واحدة حتى اقتحام مبنى رئاسة الجيش تبدأ من الوقت الذى التقى فيه بضباطه وكان عددهم 12 ضابطا فى الساعة السادسة مساء حسب الموعد الذى حدده لهم بميدان صلاح الدين بمصر الجديدة حيث استقلوا العربات الى معسكر الهاكستب. وقبل انتصاف الليل بنصف ساعة أمر يوسف بإيقاظ جنوده من رقادهم وقسم قوته الصغيرة (60 جنديا مقدمة كتيبة مدافع الماكينة الأولى المرابطة فى العريش) الى ثلاث فصائل ووزع الضباط على الفصائل لتجهيزها للتحرك، وعند منتصف الليل تحرك طابور مدافع الماكينة المكون من عدد كبير من اللوارى المحملة بالضباط والجنود من المعسكر لتنفيذ المهمة المكلفين بها وهى الاشتراك مع سرية من الكتيبة 13 مشاة القادمة من معسكر العباسية فى اقتحام واحتلال مبنى رئاسة الجيش. وقبل دخول مصر الجديدة اعتقلت القوة فى الطريق اللواء عبد الرحمن مكى قائد الفرقة الثانية والعميد عبد الرؤوف عابدين قائد ثانى الفرقة ثم التقى الطابور مصادفة فى ميدان الكربة بجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر - كما أسلفنا - وتم الاتفاق بينهما وبين يوسف صديق على أن يواصل التحرك بطابوره بأقصى سرعة لمهاجمة مبنى رئاسة الجيش واعتقال الفريق حسين فريد رئيس الأركان وجميع القادة الموجودين معه وهو الأمر الذى تم بالفعل وبنجاح تام.
وبعد ان أوردنا كل تحركات يوسف صديق ليلة 23 يوليو بهذه الدقة وفقا لأقوال الضباط الذين رافقوه بقى أن نطرح على أولئك الذين ينشرون هذه الشائعة الباطلة عنه السؤال الذى يهم كل قارئ معرفة اجابته وهو متى ذهب يوسف صديق الى كازينو بالميرا؟ وهل يا ترى توجه بطابور مدافع الماكينة بعرباته وضباطه وجنوده المسلحين وبالقائدين الأسيرين ليشرب عدة كئوس من الخمر فى الكازينو المذكور؟
وهل مثل هذا العمل يصرف عنه الأنظار كما جاء بالمقال أو على العكس يلفت الأنظار اليه؟ وهناك سؤال أتحدى أى إنسان مهما كانت براعته أن يعطينى عنه اجابة شافية وهو كم كانت الساعة الحقيقية عندما نظر يوسف صديق الى ساعته فظن العقرب الصغير مكان الكبير فاعتقد ان موعد التحرك قد حان - كما ورد بالمقال - ومن ثم تحرك مبكرا عن الموعد.
أليس من العار أن يرمى أحد أبطال ثورة يوليو بهذه التهمة الباطلة دون أى دليل أو سند فيساء الى تاريخ الرجل وتشوه بطولته ثم يتبع ذلك البهتان بما هو أمر وأدهى حين يكتب فى المقال أن هذا الضابط الثمل قرأ الساعة خطأ (نتيجة سكره) وكان ذلك الخطأ سببا فى انتصار الثورة.