Share/Bookmark
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأهرام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأهرام. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 6 فبراير 2020

كيف ابتعد السودان عن مصر؟

كيف ابتعد السودان عن مصر؟
بقلم: اللواء ـ جمال حماد
المؤرخ العسكرى
الأهرام الاثنين 17 سبتمبر 2007م - 5 رمضان 1428هـ

أشار الكاتب الكبير صلاح الدين حافظ في مقاله بعدد الأهرام الصادر في الخامس من سبتمبر الحالي الي أن ثورة 23 يوليو اتخذت قرارا تاريخيا بمنح السودان استقلاله مما أغضب الكثيرين ممن كانوا يؤمنون بأن مصر والسودان بلد واحد واتهموا جمال عبد الناصر بالتخلي عن توأم الروح تحت الضغط البريطاني المدفوع بتيارات انفصالية سودانية.

واستكمالا لمقالكم الرائع وتوضيحا لأهم العوامل التي أدت إلى اعلان استقلال السودان وعدم الاتحاد مع مصر آثرت ان أكشف لكم عن بعض الحقائق المتعلقة بهذه القضية لصالح القراء وحرصا على الأمانة التاريخية. وكما تعرفون كان السودان منذ عقد اتفاقية الحكم الثنائي (المشئومة) بين مصر وبريطانيا في 19 يناير 1899 خاضعا لحكم بريطاني مصري من الناحية القانونية ولحكم بريطاني شمولي منفرد من الناحية الواقعية، وعندما قامت ثورة يوليو بقيادة اللواء محمد نجيب لقيت تأييدا شاملا من جماهير الشعب السوداني فقد كان الكثيرون منهم يعتبرون أن محمد نجيب نصفه مصري ونصفه سوداني وذلك بحكم مولده ونشأته ومسيرته الدراسية في مدارس وادي حلفا ثم في كلية غوردون بالخرطوم وعلاقاته القديمة الوثيقة بأهل السودان وكانت وجهة نظر محمد نجيب في قضية السودان تختلف تماما عن وجهة نظر الاحزاب المصرية في مفاوضاتها طيلة 70 عاما مع بريطانيا، فبينما كان المفاوضون المصريون يتمسكون دائما بأن يكون لملك مصر حق السيادة علي السودان مما كان يغضب السودانين وهو الأمر الذي أدي الي فشل جميع المفاوضات بين الطرفين كان محمد نجيب يعتنق مبدأ حق السودانين في تقرير مصيرهم.

وأوضح محمد نجيب في مذكراته أن خطواته الأساسية الأولي كانت تستهدف جمع السودانيين بمختلف احزابهم علي موقف موحد تعاونهم فيه مصر وهذا ما دعاه الي توجيه دعوته في البداية الي زعماء حزب الأمة المعروف بتمسكه باستقلال السودان للحضور الي القاهرة وأمكنه بفضل علاقاته القديمة مع السيد عبد الرحمن المهدي راعي هذا الحزب والذي تعمد محمد نجيب استقباله والحفاوة به في اثناء وجوده في مصر بصورة رائعة ان يعقد اتفاقا مرضيا للطرفين يوم 29 اكتوبر 1952 وعندما حضر زعماء الأحزاب الاتحادية العديدة الي القاهرة كانت ضربة معلم صائبة من محمد نجيب ان ينجح في اقناعهم بضرورة توحيد جميع الاحزاب الاتحادية المشتتة في حزب واحد هو الحزب الوطني الاتحادي وتم توقيع الاتفاق في منزل محمد نجيب يوم 3 نوفمبر واختير اسماعيل الازهري ليكون رئيسا لهذا الحزب.

ولم تلبث المفاوضات ان بدأت في القاهرة بين مصر وبريطانيا لتعديل دستور الحكم الذاتي في 20 نوفمبر 1952 وعندما تعثرت المفاوضات بين الوفدين بسبب العقبات التي ظهرت اقترح السفير البريطاني بالقاهرة رالف ستيفنسون علي محمد نجيب قيام الرائد صلاح سالم عضو الوفد المصري في المفاوضات بجولة في جنوب السودان ليري بنفسه احوال الجنوب وتم لصلاح سالم بالفعل القيام بهذه الرحلة مع عدد من المرافقين في 28 ديسمبر 1952 واستغرقت زيارته عشرة ايام كاملة وشارك صلاح قبيلة الدنكا في غابات تيمولي في رقصتهم للحرب عاريا مثلهم فيما عدا ستره لعورته وفقا لتقاليدهم وعلي الرغم من ان هذا العمل قوبل من الاهالي الجنوبيين بالسرور فإنه قوبل بالسخرية من بعض الدوائر السياسية خاصة في بريطانيا مما جعل الصحف البريطانية تطلق عليه اسم ( الرائد الراقص) واخيرا نجحت المفاوضات وتم للوفدين المصري والبريطاني توقيع اتفاقية الحكم الذاتي للسودان بمقر رئاسة الوزراء بالقاهرة يوم 12 فبراير 1953.

وعندما اعلنت نتائج الانتخابات البرلمانية التي اجريت في السودان في 25 نوفمبر 1953 اتضح ان الحزب الوطني الاتحادي اكتسح باقي الاحزاب واصبحت له اغلبية ضخمة في مجلسي النواب والشيوخ وفي يوم 6 يناير 1954 تم لمجلس النواب انتخاب اسماعيل الأزهري رئيسا للوزراء وتشكلت الوزارة من اثني عشر وزيرا كانوا جميعا من الحزب الوطني الاتحادي واحتفلت جميع وسائل الاعلام في مصر بهذا الفوز الساحق وأصبح الشعبان المصري والسوداني ينتظران في شوق قرب الاعلان عن اتحاد البلدين الشقيقين.

ومما يؤسف له أن تلك الآمال العريضة التي كان الشعبان ينتظران في شغف قرب الإعلان عنها لم تكن الأحوال السياسية في مصر تساعد علي تحقيقها ففي اعقاب أزمة مارس 1954 وفي إثر حدوث محاولة اغتيال جمال عبدالناصر رئيس وزراء مصر وقتئذ في ميدان المنشية بالإسكندرية يوم 26 أكتوبر استغل مجلس قيادة الثورة هذه الجريمة الفردية للإطاحة بقائد الثورة محمد نجيب فصدر القرار في 14 نوفمبر بإعفائه من منصب رئيس الجمهورية برغم أنه كان وقتئذ منصبا فخريا لا يمنح صاحبه أية سلطات في يده وبرر المجلس ذلك بأن بعض المتهمين في القضية رددوا بأن محمد نجيب كان علي صلة بالإخوان المسلمين وتغافل مجلس الثورة عن العواقب الخطيرة والآثار الضارة التي ستلحق بقضية الاتحاد الخالدة بين الشعبين الشقيقين في سبيل تحقيق غرض زائل وهو ضمان الاستمرار في ممارسة السلطة في مصر والبقاء في الحكم.

وأثارت الإطاحة بمحمد نجيب وتقييد حريته الشخصية بهذه الطريقة المهينة مشاعر السودانيين الذين كانوا يعتبرونه رمز الاتحاد بين البلدين فضلا عن خشيتهم مما سوف يحيق بهم إذا ما اتحدوا مع مصر بعد أن رأوا ما ارتكبه أعضاء مجلس الثورة ضد رئيسهم وقائد ثورتهم لذا بدأ ابتعادهم تدريجيا عن قضية الاتحاد مع مصر. ولم تكن تنحية محمد نجيب عن منصبه هي العامل الوحيد في ابتعاد شعب السودان عن فكرة الاتحاد مع مصر فقد كانت هناك عوامل عديدة أخري كان في مقدمتها تلك المحنة المروعة التي تعرض لها الاخوان المسلمون في مصر والتي لم يسبق لها مثيل في قسوتها بسبب واقعة محاولة الاغتيال الفاشلة في ميدان المنشية.

وأدت سياسة إسماعيل الأزهري المتسمة بالجفاء والتباعد عن مصر إلي حدوث جولات من الصدام الحاد والهجمات العنيفة المتبادلة في وسائل الاعلام بينه وبين صلاح سالم المسئول المصري عن شئون السودان وكان صلاح سالم برغم نجاحه المرموق في المرحلة السابقة قد اتبع في السودان سياسة شديدة الخطورة وهي استخدام وسيلة توزيع الاموال والرشاوي لاجتذاب الاعوان والمؤيدين مما جعل الساحة السياسية تخلو من طائفة المؤمنين الحقيقيين بالقضية الخالدة خشية أن تلحق بهم الشكوك في تقاضيهم الرشاوي والأموال من صلاح سالم وأعوانه إذا ما أبدوا مشاعرهم علانية أو تحمسوا لقضية الاتحاد علي رءوس الاشهاد لذا لم يبق بالساحة سوي طائفة من المنتفعين والانتهازيين والمرتزقة.

ومما يدعو إلى العجب أن صلاح سالم في لقائه المنفرد مع عبد الناصر في مكتبه يوم 25 أغسطس 1955 وبعد أن وصل مركز مصر في السودان إلى أسوأ حال أدلي باعترافات مثيرة للغاية أمامه فقد اعترف بأن المعلومات التي كان يرسلها إليه عن السودان لم تكن تمثل الحقيقة هناك وانه أصبح كارتا محروقا بالنسبة لمصر في السودان ثم تقدم إلي عبد الناصر باقتراح ظنا منه أنه يمكن التغرير به وهو ان يسافر عبد الناصر في اليوم التالي إلى الخرطوم ليعلن بنفسه أمام البرلمان استقلال السودان وبذا يصبح هو بطل الاستقلال. وفطن عبدالناصر بذكائه إلي هدف صلاح سالم من ذلك الاقتراح وهو أن يفلت من المأزق الذي يواجهه بعد انهيار سياسته في قضية السودان التي كان الشعب المصري بفضل الدعايات المضللة التي كانت تذيعها وسائل الاعلام المصرية بأمر صلاح سالم وزير الارشاد ( الإعلام) لا يزال غارقا في احلامه الوردية بقرب إعلان الاتحاد بين مصر والسودان كما أن هذا الاقتراح كان يكفل له التنصل من فشل سياسته الخاطئة في السودان ويلقي بها علي عاتق غيره ولكن عبدالناصر لم تنطل عليه هذه الحيلة وعبر لأعضاء مجلس الثورة عن سخريته من هذا الاقتراح وذكر لهم أن الأفضل له إذا ما نفذ الاقتراح ان يتوجه من الخرطوم للجوء إلى الكونغو رأسا وعدم العودة إلى مصر حتى لا يواجه ثورة الشعب ضده.

وفي أول يناير 1956 عقد البرلمان السوداني جلسته التاريخية التي أعلن خلالها رئيس الوزراء اسماعيل الازهري استقلال السودان ثم أخطر اعضاء البرلمان انه قد تلقي اعترافا بهذا الاستقلال من جمال عبد الناصر رئيس وزراء مصر وسلوين لويد وزير خارجية بريطانيا وهكذا تم استقلال السودان وطويت قضية الاتحاد بين السودان ومصر الي حين ولا نقول إلى الأبد.

الأربعاء، 25 سبتمبر 2019

لماذا التشويه فى أحداث ليلة الثورة؟

لماذا التشويه فى أحداث ليلة الثورة؟
جمال حماد
مؤرخ عسكرى
الأهرام الأحد 22 يوليو 1990م - 30 ذو الحجة 1410هـ

ليس بمستغرب أن يتناول الكتاب المؤرخون سواء من المصريين أم الأجانب ثورة 23 يوليو 1952 بالتحليل والتقييم فهذا أمر متوقع لثورة تعتبر أم الثورات فى العالم الثالث والشعلة التى ألهبت شرارة التحرر فى كل البلدان التى كانت تئن تحت وطأة الاستعمار. وليس هناك من حرج لكل من يتعرض بالنقد الموضوعى لثورة يوليو المجيدة فيشيد بإيجابياتها وانجازاتها ويوجه الذم. الى سلبياتها ونقائصها لأن هذه الثورة مثل غيرها من ثورات العالم لها جانبها المشرق المضىء وفى الوقت نفسه لها وجهها القائم الردىء.
ولا عجب فى أن يبذل أعداء الثورة ممن فقدوا نفوذهم وسلطاتهم محاولاتهم للهدم والتخريب وتجريد الثورة من كل إيجابياتها وتشويه أمجادها والعمل على تزييف وتزوير تاريخها عن طريق التشكيك فى حقيقة أدوار بعض قادتها ليلة 23 يوليو أو نعتهم بالجبن والتهرب من مواجهة الموقف فضلا عن الحماقة وسوء السلوك.
ولكن الأمر الذى يثير العجب أن يصدق بعض المؤرخين والكتاب الأفاضل هذه الشائعات والأباطيل فيدونوها فى كتبهم ومقالاتهم على انها حقيقة واقعة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التثبت من صحة ما يروون أو محاولة الاتصال بشهود هذه الوقائع للتأكد من حقيقة ما يكتبون متنكبين بذلك جادة الحق والصواب ومنهاج البحث العلمى السليم.
ومن أكثر هذه الشائعات انتشارا وأشدها تجريحا وايلاما شائعتان تتعلق احداهما بجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وتتعلق الأخرى بالمقدم يوسف منصور صديق وقد رأيت من واجبى أن اتصدى لهاتين الشائعتين بالدراسة والتحليل بالطريقة الموضوعية وبأسلوب البحث العلمى الدقيق لا أستهدف من وراء ذلك الا التوصل الى الحقيقة ومما يدفعنى للقيام بهذا الواجب هو كونى أحد الذين أتيحت لهم الفرصة بحكم اشتراكى فى الثورة كى أشاهد عن كثب جانبا كبيرا من احداث تلك الليلة الخالدة فى تاريخ مصر ولأكون واحدا من شهود عيانها مما يحتم على أن أقدم شهادتى عملا بقول الحق سبحانه وتعالى "ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم".
***
ان الشائعة الأولى التى ذاعت وشاعت تروى أن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر كانا فى ساعة الصفر يرتديان الملابس المدنية بقصد الهرب بعد انكشاف أمر الحركة للمسئولين وان هذا هو السبب فى أن قوة يوسف صديق ألقت عليهما فى مصر الجديدة وانه سبق لهما شراء تذكرتين فى سينما الفالوجا واحتفظا بهما كدليل ينفى اشتراكهما فى حركة الجيش.
وحقيقة ما حدث هو ان جمال عبد الناصر علم فى حوالى الساعة الحادية عشرة والنصف مساء يوم 22 يوليو من أحد الضباط الأحرار الذى كان يعمل فى المخابرات الحربية أن حركة الجيش تم للسلطات العليا اكتشافها وأن الملك فاروق اتصل من الاسكندرية بالفريق حسين فريد رئيس أركان حرب الجيش فى القاهرة الذى دعا قادة الجيش لحضور مؤتمر عاجل فى مكتبة بمبنى رئاسة الجيش بكوبرى القبة (وزارة الدفاع حاليا) وطلب الضابط من عبد الناصر ان يلغى كل شيء. إلغاء كل ما تم اتخاذه من إجراءات انقاذا للموقف ولكن تنفيذ ذلك الطلب كان أمرا مستحيلا فقد وصل الضباط الأحرار الى وحداتهم وفقا للتعليمات وحسبما قال بعد الناصر أن العجلة قد دارت ولن يستطيع انسان أن يوفقها.
ولم يخامر عبد الناصر اليأس عندما تلقى هذه الأنباء المزعجة قبل ساعة الصفر بحوالى ساعة ونصف الساعة بل على العكس هداه تفكيره الى ضرورة تعديل الخطة وانتهاز فرصة تجمع القادة فى مبنى رئاسة الجيش لاقتحام المبنى بأقرب فرصة دون انتظار ساعة الصفر لاعتقال جميع القادة الموجودين بضربة واحدة، وأسرع عبد الناصر بسيارته إلى منزل عبد الحكيم عامر بالعباسية الذى ركب الى جانبه واتجه الاثنان على الفور الى معسكر الكتيبة 13 مشاة بالعباسية التى خصص لها الدور الأكبر فى تحركات المشاة بالخطة لتوجيه قوة منها الى مبنى الرئاسة لاقتحامه.
ولكن عبد الناصر وعبد الحكيم لم يتمكنا من دخول معسكر العباسية فقد شاهدا قوة كبيرة من البوليس الحربى تحتل البوابة الرئيسية وتسد الطريق الى المعسكر فاتجه تفكيرها كما ذكر عبد الناصر الى التوجه الى كمال الدين حسين فى ألماظة ليحصلا منه على قوات من المدفعية لتنفيذ فكرة الهجوم على مبنى رئاسة الجيش.
وفى طريقهما الى ألماظة وعند ميدان الكربة بمصر الجديدة التقى الاثنان مصادفة وبطريقة غريبة بطابور من العربات العسكرية المحملة بالجنود وكان الطابور متوقفا فى أحد جوانب الميدان. وأيقن عبد الناصر أن هذا الطابور هو من القوات التى حركها الفريق حسين فريد لضرب الحركة فان ساعة الصفر التى يبدأ فيها تحرك قوات الحركة باق عليها ما لا يقل عن نصف ساعة كما أن على رأس الطابور سيارة ركوب يخفق عليها علم القيادة وداخلها قائدان يرتديان الكابات الحمراء فاقترب عبد الناصر وزميله خطوات من الطابور لاستطلاع حقيقة أمره واذا بهما يجدان نفسيهما بعد لحظات وسط مجموعة من الضباط والجنود المجهولين والبنادق والسونكيات مشهرة فى وجهيهما وأسقط فى أيديهما وأدركا أنهما قد وقعا فى كمين محكم أعدته لهما القوات الموالية للملك وأن حركة الجيش قد فشلت.
ولكن الموقف الحقيقى لم يلبث أن تكشف لهما وجاءهما الفرج على غير انتظار ولمحا المقدم يوسف صديق ينزل من سيارته الجيب فى أول الطابور ليخرجهما من هذه الورطة ويخبرهما أن الطابور الذى شاهداه هو طابور قواته من كتيبة مدافع الماكينة الأولى القادم من معسكر الهاكستيب وان القائدين اللذين فى العربة بمقدمة الطابور هما قائد الفرقة الثانية وقائدها الثانى وأن قواته أسرتهما أثناء التحرك.
وأكتشف يوسف صديق لأول مرة انه قد بلغ ساعة الصفر خطأ وانه تحرك مبكرا ساعة عن الموعد الصحيح الذى كان محددا له الواحدة صباحا بسبب خطأ المندوب الذى تولى اخطاره بالموعد. وكان هذا اللقاء الذى تم مصادفة والتحرك الذى جرى قبل ساعة موعده دليلا واضحا على تدخل القدرة الإلهية لإنقاذ حركة الجيش من الفشل وتم الاتفاق بين عبد الناصر ويوسف صديق على أن يواصل الطابور تحركه الى مبنى رئاسة الجيش لاقتحامه واعتقال جميع القادة الموجودين فى مكتب الفريق حسين فريد.
***
ولو ناقشنا بعد أن أوردنا هذه التفاصيل شائعة أن عبد الناصر وعبد الحكيم عامر كانا يرتديان فى هذا الوقت الملابس المدنية مناقشة موضوعية لأدركنا استحالة تصديق هذا الادعاء فان عبد الناصر وزميله كانا فى طريقهما الى ألماظة لمحاولة الحصول على قوة من المدفعية يمكن تحريكها على وجه السرعة للانقضاض على القادة المجتمعين فى مكتب الفريق حسين فريد بمبنى الرئاسة بكوبرى القبة والقيام بأسرهم قبل أن ينجحوا فى اتخاذ الترتيبات المضادة للحركة.
فهل كان عبد الناصر وزميله يتصوران امكان السماح لهما بدخول منطقة ألماظة المكتظة بمعسكرات الجيش والمليئة بنقاط وبوابات التفتيش التى يتولى أمرها رجال البوليس الحربى وهما يركبان عربة عبد الناصر (الأوستن) الصغيرة الملاكى ويرتديان الثياب المدنية؟ وكيف تيسر لهما ارتداء الثياب العسكرية فى الفترة الزمنية القصيرة التى لم تتجاوز نصف الساعة وهى الواقعة بين لقائهما بقوة يوسف صديق فى مصر الجديدة وبين لقائهما بمجموعة كبيرة من الضباط الأحرار عند بوابة مبنى رئاسة الجيش بكوبرى القبة بعد انتهاء عملية اقتحام المبنى وأثناء نزول الفريق حسين فريد من مكتبه تحت الحراسة وفى طريقة الى المعتقل بالكلية الحربية. لقد شاهدهما كل الضباط الموجودين وقتئذ على بوابة رئاسة الجيش ومنهم كاتب هذه السطور وكانا يرتديان الملابس العسكرية.
وقد ذكر الملازم ثان محمد متولى غنيم وهو الضابط الذى ألقى القبض على عبد الناصر عند اقترابه من طابور كتيبة مدافع الماكينة الأولى ليلة 23 يوليو أن سبب القائه القبض عليه انما يعود الى رؤيته له مرتديا ملابسه العسكرية برتبة المقدم وكانت الأوامر الصادرة اليه من قائده يوسف صديق تقضى بالقبض على كل ضابط برتبة المقدم فما فوق لحين ان تتضح هويته. ونظرا لعدم معرفته لجمال عبد الناصر فقد بادر بتنفيذ التعليمات وألقى القبض عليه بينما طلب من الرائد الذى برفقته (عبد الحكيم عامر) الابتعاد عن طابور الكتيبة. وأكد الملازم غنيم أن عبد الناصر لو كان يرتدى ملابس مدنية لما تعرف عليه وعلى رتبته ولما ألقى القبض عليه. وفضلا عن شهادة محمد غنيم التى لا نشك فى صدقها فقد شهد كل الضباط الأحرار الذين كانوا ضمن طابور كتيبة مدافع الماكينة الأولى وحضروا واقعة لقاء عبد الناصر وعامر مع طابور الكتيبة فى ميدان الكربة بأن الاثنين كانا يرتديان ملابسهما العسكرية. ولا يمكن تجريح شهادات كل هؤلاء خاصة وانهم أدلوا بها بعد وفاة عبد الناصر وعامر بسنوات عديدة.
أما ما أشيع من أن عبد الناصر وعبد الحكيم اشتريا تذكرتين فى سينما الفالوجا واحتفظا بهما كدليل ينفى اشتراكهما فى حركة الجيش فهذا قول يثير السخرية ولا يحتاج الى مناقشة جدية فان الاجتماعات التى حضرها كلاهما فى بعض المنازل مع مجموعات كبيرة من الضباط الأحرار من مختلف أسلحة الجيش فى الأيام التى سبقت الحركة مباشرة لقراءة الخطط وتوزيع الواجبات والتى اضطرا بسببها الى التخلى عن دواعى السرية والحذر جعلت شخصيتهما تنكشفان لعدد كبير من هؤلاء الضباط وهو الأمر الذى لا يصلح معه بعد ذلك تدبير أى دليل نفى مهما بلغت درجة قوته واحكامه فما بالك اذا كان هذا الدليل بهذا الحد من السذاجة وهو شراء تذكرتى سينما والاحتفاظ بهما للنجاة من العقاب فى حالة فشل حركة الجيش!!
أما الشائعة الثانية التى سنقوم بتحقيقها والتى تكرر نشرها من قبل وقد كتبها أخيرا أحد أساتذة التاريخ فى احدى مقالاته فقد ورد فيها ما يلى:
"وقيل عن هذا التحرك ان الموعد المحدد كان الثانية عشرة مما جعل يوسف صديق يذهب الى كازينو بالميرا فى مصر الجديدة حتى يصرف الانظار عنه فشرب عدة كئوس (من البراندى) حتى يأتى موعد مهاجمة مقر وزارة الحربية، وظن يوسف صديق أن العقرب الصغير مكان الكبير ثم تحرك مبكرا عن الموعد وكان هذا التفكير سببا فى انتصار الثورة.
وقبل البدء فى أى مناقشة فإننا نبدى اعتراضا على أن يقوم اى كاتب أو مؤرخ بتسجيل واقعة خطيرة مثل هذه الواقعة معتمدا على كلمة (قيل) فان تسجيل الوقائع التاريخية لا يمكن أن يتم عن طريق القول المبنى للمجهول وهو أمر يستغرب حدوثه بالطبع من أستاذ جامعى متخصص فى تدريس التاريخ.
إن تحركات يوسف صديق ابتداء من مساء يوم 22 يوليو كما دونها فى مذكراته وكما تأكدت من شهادات الضباط الذين لازموه ولم يفارقوه لحظة واحدة حتى اقتحام مبنى رئاسة الجيش تبدأ من الوقت الذى التقى فيه بضباطه وكان عددهم 12 ضابطا فى الساعة السادسة مساء حسب الموعد الذى حدده لهم بميدان صلاح الدين بمصر الجديدة حيث استقلوا العربات الى معسكر الهاكستب. وقبل انتصاف الليل بنصف ساعة أمر يوسف بإيقاظ جنوده من رقادهم وقسم قوته الصغيرة (60 جنديا مقدمة كتيبة مدافع الماكينة الأولى المرابطة فى العريش) الى ثلاث فصائل ووزع الضباط على الفصائل لتجهيزها للتحرك، وعند منتصف الليل تحرك طابور مدافع الماكينة المكون من عدد كبير من اللوارى المحملة بالضباط والجنود من المعسكر لتنفيذ المهمة المكلفين بها وهى الاشتراك مع سرية من الكتيبة 13 مشاة القادمة من معسكر العباسية فى اقتحام واحتلال مبنى رئاسة الجيش. وقبل دخول مصر الجديدة اعتقلت القوة فى الطريق اللواء عبد الرحمن مكى قائد الفرقة الثانية والعميد عبد الرؤوف عابدين قائد ثانى الفرقة ثم التقى الطابور مصادفة فى ميدان الكربة بجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر - كما أسلفنا - وتم الاتفاق بينهما وبين يوسف صديق على أن يواصل التحرك بطابوره بأقصى سرعة لمهاجمة مبنى رئاسة الجيش واعتقال الفريق حسين فريد رئيس الأركان وجميع القادة الموجودين معه وهو الأمر الذى تم بالفعل وبنجاح تام.
وبعد ان أوردنا كل تحركات يوسف صديق ليلة 23 يوليو بهذه الدقة وفقا لأقوال الضباط الذين رافقوه بقى أن نطرح على أولئك الذين ينشرون هذه الشائعة الباطلة عنه السؤال الذى يهم كل قارئ معرفة اجابته وهو متى ذهب يوسف صديق الى كازينو بالميرا؟ وهل يا ترى توجه بطابور مدافع الماكينة بعرباته وضباطه وجنوده المسلحين وبالقائدين الأسيرين ليشرب عدة كئوس من الخمر فى الكازينو المذكور؟
وهل مثل هذا العمل يصرف عنه الأنظار كما جاء بالمقال أو على العكس يلفت الأنظار اليه؟ وهناك سؤال أتحدى أى إنسان مهما كانت براعته أن يعطينى عنه اجابة شافية وهو كم كانت الساعة الحقيقية عندما نظر يوسف صديق الى ساعته فظن العقرب الصغير مكان الكبير فاعتقد ان موعد التحرك قد حان - كما ورد بالمقال - ومن ثم تحرك مبكرا عن الموعد.
أليس من العار أن يرمى أحد أبطال ثورة يوليو بهذه التهمة الباطلة دون أى دليل أو سند فيساء الى تاريخ الرجل وتشوه بطولته ثم يتبع ذلك البهتان بما هو أمر وأدهى حين يكتب فى المقال أن هذا الضابط الثمل قرأ الساعة خطأ (نتيجة سكره) وكان ذلك الخطأ سببا فى انتصار الثورة.



السبت، 21 سبتمبر 2019

الصاعقة (3).. من ملفات المخابرات العامة

الصاعقة (3)
من ملفات المخابرات العامة

انفرد بتفاصيلها وأعدها للنشر: ابراهيم نافع

جريدة الأهرام - الأربعاء 21 أكتوبر 1998م - 1 رجب 1419هـ
(بالتزامن مع جريدة الحياة اللندنية فى نفس اليوم)

قصة هشام محجوب.. جاسوس إسرائيل الذى استخدمته مصر فى عملية الخداع الاستراتيجى قبل حرب أكتوبر


المبنى رقم (2) فى شارع بالاس جرين، هو مقر السفارة الإسرائيلية فى لندن منذ نشأة الدولة عام 1948، وقبل مائة عام، كان يقطن هذا البيت ذا الواجهة المكونة من الطوب الأحمر، وأطر النوافذ البيضاء مؤلف يهودى مشهور اسمه موزاريت مونتفريو.
المكان شكله موج غامض، وباعث على محاولة التقصي، والاكتشاف!.
لا يمكن لأحد أن يتصور طبيعة ما يجرى داخل هذا المبنى ـ الآن ـ من أحداث، بطلها هشام محجوب.. الذى كان ـ دون أن يدرى ـ قد بدأ انزلاقه فى هذا الطريق منذ مدة طويلة.. ربما من اللحظة التى قابل فيها رأفت مدير الرويال لانكستر.
إن عشرات الصور تمر أمام عينيه ـ الآن ـ وعشرات الجمل يقوم باستدعائها إلى ذاكراته، وجميعها جميعها تكتسب فى هذه اللحظة معانى مغايرة، لما حاول أن يخدع نفسه به من قبل، أو ينفض تأثيره من دماغه ببساطة.. لقد حاول أن يتجاهل ويرفض، الحقيقة، التى تفرض نفسها ـ عليه ـ بقسوة فى هذه اللحظات.
***

كان السنجاب حبيسا فى دار السفارة الإسرائيلية فى لندن! 
وكان ذهاب هشام مع إدوارد إلى دار السفارة، مثيرا للاهتمام والدهشة فى آن واحد من رجال المتابعة.
إذ أنه من غير الطبيعى أو المنطقي، أن تصطحب العميل، إلى دار السفارة، وإن حدث هذا فلابد أن يكون بسبب غير عادي، أو استثنائى.
وفيما بعد ومن خلال أوراق التحقيقات انفكت طلاسم هذا العمل غير المفهوم، عن حقيقة مذهلة، حيث كان الصلف، والغرور وتعالى الموساد، هو السبب فى تجاهل هذا الإجراء التأمينى الأولى والبدائى.. إذ كان الجميع فى الموساد يظنون أن جهاز المخابرات المصرى لا يمكن أن يكون متابعا للقصة منذ بدايتها على هذا النحو، كما تصور بعض أفراد الموساد، أن اللجوء لتصرف غير طبيعى على هذا النحو، يحقق ـ فى ذاته التأمين الكامل، لأن أحدا لن يتصوره!!
........................

أما فى القاهرة فقد كان دخول هشام محجوب إلى دار السفارة الإسرائيلية فى لندن، يمثل لفريق إدارة العملية، ضوءا أحمر، يؤكد أن العملية دخلت بهذه الزيارة، حيز التكليفات الحقيقية المباشرة لهشام.. وبدأت تحركات مضادة، تقوم على فتح قنوات اتصال، بحذر، مع بعض المحيطين بهشام فى العمل، وفى القاهرة، وكذلك فى لندن، حتى تكون حركته وأهدافه مكشوفة من لحظة التكليف.
***

على أية حال، لقد أدخل الفأر نفسه فى المصيدة، وابتلع الطعم حتى آخره، وجلس مذهولا فى الغرفة الضيقة المغلقة بين أربعة جدران، ووحيدا لمدة ساعة كاملة، حتى فاجأه إدوارد بأنه داخل السفارة الإسرائيلية، وأنه قد أصبح عميلا لهم سواء قبل أو لم يقبل! 
ولما لم يجد إلا الصمت والذهول على وجه هشام أكمل إدوارد، ولكن بنبرة ناعمة وحنون أنت ـ الآن صديقنا ـ ونحن نمد يدنا إليك وعليك أن تقبل صداقتنا.
وفيما كان هشام يجلس على مقعده بلا حراك، كان إدوارد يدور حوله، وهو يتلوى كحية ويضرب برفق على راحة يده، مستخدما فتاحة أظرف فضية.
كان ينتظر رد فعل من هشام يفيد الموافقة.. يسعى لمناقشة أى شيء.
ولكن هشام كان قد توقف عن التفكير، وفقد ـ ولو مؤقتا ـ قدرته على النطق!!
وعاد إدوارد يفصح عن شراسة متوحشة، وهو يردد بنبرات هامسة، ولكنها ضاغطة على كل خلية من أعصاب هشام.
لدينا إيصالات بتوقيعك، بلا تواريخ وصورة لك معنا والأوراق التى سبق وسلمتها لنا بخط يدك.. ونستطيع أن نضع عليها تواريخ قديمة، تؤكد تعاملك معنا منذ سنوات طويلة، بل إننا سوف نقوم بكتابة تقارير عسكرية وسياسية، واقتصادية نقلد فيها خطك، ونرسلها إلى المخابرات المصرية، إذا لم تتعاون معنا وتصبح طوع إشارة من أصبع يدى الصغير.. وإذا حاولت ابلاغ السلطات المصرية، فسنرسل كل هذا أيضا إلى المخابرات المصرية، لكى يعرفوا أنك رجلنا منذ سنوات!! 
أسقط فى يد هشام، وأدرك ساعتها أنه قد أصبح، بالفعل، سواء أراد أو لم يرد، عميلا لإسرائيل.
كل ما فعله.. هو أن هز رأسه، ثم أطرق غارقا فى الصمت الرهيب.


وعندما أدرك إدوارد أن (السيطرة) على العميل قد تمت على أحسن وجه.. عاد مرة ثانية إلى الحديث إليه بلهجة ناعمة، وحاول إخراجه من الإحساس القاتم الذى سقط فيه، مطمئنا إياه، أن أحدا لن يستطيع اكتشاف العلاقة أبدا، وأنه يعمل مع أقوى جهاز مخابرات فى العالم (الموساد)، وأن هذه العلاقة ستمنحه مالا ووضعا لا يحلم بهما وبدأ إدوارد يحصل منه على معلومات أكثر تفصيلا عن كل من يعرفهم فى القوات المسلحة من أقارب وأصدقاء وفترة خدمته وتجنيده بالقوات المسلحة المصرية وقام بتلقينه بتعليمات الأمن اللازمة وحدد له موعدا فى اليوم التالى.
وفى اليوم التالي، كان لقاء آخر بين إدوارد وهشام فى فندق ستراند، مستغلين مداخله ومخارجه العجيبة فى التمويه، وتأمين اللقاء، والعجيب أنهما لجآ للتمويه فى مقابلات فندق ستراند، بينما كان لقاء التجنيد الحقيقى قد تم فى دار السفارة، ودون أية سواتر.
جلس إدوارد إلى ضحيته الذى قد بدأ يفقد توتره وغضبه بخاصة أن إدوارد أعطاه مظروفا مليئا بأوراق مالية عند اللقاء فى الفندق.
واتفق الطرفان، على أن يخرج كل منهما من أحد أبواب فندق ستراند، ويستقل سيارة تاكسي، تتجه إلى عنوان معين كتبه له إدوارد.
وحين وصلت السيارة الأجرة إلى هذا العنوان فى ميدان سلون (أحد أرقى أحياء العاصمة) تبادل إدوارد وهشام النظرات، ثم دلف كل منهما منفردا الى باب البناية، التى تعلو محطة سلون سكوير لمترو الأنفاق! 
وعندما وصلا إلى عتبة الشقة (83) فى الدور الثامن، كان إدوارد يتلفت، حتى يتأكد أن أحدا لم يتبعهما.
رن الجرس بسرعة، ففتح شخص، ليطل برأسه أولا، ثم يدعوهما للدخول.
قام إدوارد بتعريف هشام، بهذا الشخص، وقال إن اسمه جورج، وبدأت فى هذه الشقة، أولى وقائع تدريب الجاسوس هشام على محجوب، على استخدام الحبر السرى فى الكتابة، فى مراسلته لهم وتحديد عنوان للتراسل. وأسلوب استقباله للتعليمات الصادرة له منهم بواسطة الراديو.
وقد ساعدت دراسة هشام فى معهد اللاسلكى على هذا كثيرا، ولم يكتف جورج وإدوارد بهذا، بل أشارا إلى بعض ملاحظات، يمكن إذا درسها هشام ومع بعض التدريب أن يجيد اسلوب اجادة العلاقات مع الآخرين وكيفية استخدام وسائل الإخفاء.
***

على أية حال لقد بدأت تكليفات الموساد لهشام، بالحصول على معلومات متنوعة فى المجال العسكرى أو المدنى وكان رجال المخابرات المصرية يتوقعون أن يتقدم هشام إليهم من تلقاء نفسه بعد هذه المرحلة للإبلاغ عما حدث ولكنه فضل التعامل مع المخابرات الإسرائيلية.
وكانت فترات إقامة هشام فى لندن، أو فى القاهرة تتجدد بنوع التكليفات.
كانت كيمياء هشام تتغير من الداخل!.
نسى الصدمة والدهشة، والغضب والخدعة!!.
وغرق إلى آخر مدى فى تلبية احتياجات جورج، بل وأصبح ـ أحيانا ـ يبادر، دون أن يطلب أحد منه بالإبلاغ عن أحوال بعينها!! واستمرت متابعة هشام مع إحكام السيطرة على جميع تحركاته ومراسلاته السرية بالإضافة إلى دفع بعض الضباط من أصدقائه لمده بالمعلومات التى يرغب الحصول عليها لدسها عليه دون علمه بما يخدم المصلحة القومية للبلاد واستغلال ذلك فى التحضير لخطة الخداع الاستراتيجى لحرب أكتوبر 1973.
أثناء وجود هشام فى لندن كان دائم التردد على حانة فى منطقة نوتينج هيل جيت، بجوار بنك باركليز، اسمها البجعة وكان يحاول اجتذاب بعض الأفراد المصريين العاملين فى مؤسسات مختلفة لمعرفة أى أخبار منهم بدعوتهم إلى مشروب فيها، والثرثرة معهم عن كل شيء.
وقد كان مكان هشام المفضل هو الجلوس على البار فى أخر مقعد على الشمال، حتى يستطيع أن يرى فى المرآة المواجهة له، ما إذا كان هناك من يراقبه خلف ظهره.. وكان موقع هذه الحانة قريبا من رويال لانكستر، أو الفندق الذى كانت بعض مجموعات مصر للطيران تنزل فيه، وكان هشام بوصفه زميلا لهم، يحاول أن يستدرج بعضهم إلى معرفة معلومات عن من الذى كان يجيء على طائرات مصر للطيران، وبالذات من المسئولين، وكان ذلك فى كثير من الأحيان ـ وقتها ـ سرا لا يعلمه أحد، كما كان موقع هذه الحانة قريبا من مدخل شارع بالاس جرين، الذى يخترق حديقة كينزنجتون الملكية، وهو الموقع الذى توجد فيه السفارة الإسرائيلية، تلك التى ارتبطت فى ذهن هشام بذكرى لا تنسي! 
نعم كانت كيمياء هشام تتغير!.
كان يسأل الطيارين بطرق غير مباشرة وأساليب لا تثير الشكوك عما اذا كانوا قد لاحظوا تغييرات معينة فى القواعد العسكرية، التى تمر طائراتهم إلى جوارها، وكان يسألهم عما إذا كانوا مازالوا يلتقون بزملائهم الطيارين العسكريين، الذين تزامل بعضهم معهم فى الكلية الجوية وقت الدراسة، 
ويسأل عن أنواع الأسلحة الجديدة، والروح المعنوية داخل الجيش، وقدرات سلاح الطيران.
ثم إنه كان يسأل ـ عن بعض قواعد القوات الجوية بالذات.
وكان رجال المخابرات المصرية الذين يتابعون العملية فى القاهرة ولندن، يلاحظون أن السنجاب نشيط جدا، فى جمع ثمار البندق والكستناء، وأن الجاسوس قد نشط فى جمع الأخبار والمعلومات.
وبدأت مرحلة معقدة جدا من متابعتهم للعملية، إذ عمدوا الى تسريب البيانات والأخبار المضللة إلى هشام.
واستمر استخدام عناصر من العاملين فى مصر للطيران، والمؤسسات المصرية فى لندن وبعض أصدقاء شقيقه فى القوات المسلحة لتسريب معلومات تسبب ـ دون أن يدرى ـ فى إرباك القرار العسكرى الإسرائيلى.
كان العمود الفقرى لهذه المعلومات هو الحديث عن أن جزءا كبيرا من طائرات سلاح الجو المصرى السوفيتية الصنع، سوف تصبح خردة فى ظرف شهور، إذا استمر تباطؤ موسكو فى إمداد مصر بقطع الغيار وأن النسبة الغالبة من المعدات الخاصة الموجودة فى قاعدة كوم أوشيم، لا تستطيع الصمود فى معركة يزيد طولها على 48 ساعة، لعدم توافر خطوط ذخيرة، أو قطع غيار.
وأن بعض القادة والضباط قد بدأوا بالفعل تنفيذ، ما نشرته بعض صحف القاهرة، من الحصول على إجازات لأداء العمرة!.
وفوق هذا مجموعة من التصريحات المكذوبة، والمنسوبة إلى القادة تؤكد أن احتمال الحرب هو احتمال مستحيل، وأن التصريحات السياسية التى تؤكد مثل هذه المسألة هى محض أقوال للاستهلاك المحلى.
وإمعانا فى زيادة مصداقية هذه المعلومات الكاذبة، لدى العدو، فقد كان رجال المخابرات المصرية يزودونه هنا ــ عن طريق وسطاء طبعا ــ بتفاصيل فنية تزيد من أرجحية وثقل، المعلومات التى سينقلها إلى إسرائيل، وإلى الموساد.
من ضمنها مثلا أن خراطيم الوقود فى الطائرات المصرية، السوفيتية الصنع، فى شح شديد، وأن هذا العيب فى ذاته كفيل بتعطيل جزء غير بسيط من طاقة وقدرة سلاح الجو فى مصر، وأن أجهزة التنشين الليلى لم تصل إلى القاهرة، ومن ثم لم يتم تركيبها على بعض المعدات بما يضعف قدرة هذه المعدات على القتال فى جميع الأجواء.
وأخيرا فقد كان هشام ـ القناة التى عملها ـ ينقل معلومات خاطئة إضافية لإسرائيل، عن نيات مصرية بتسريح دفعات كبيرة من قواتها المسلحة، وأن المناورات التى تقوم بها هذه القوات، هى مجرد محاولات فاشلة، لرفع الروح المعنوية لأفراد القوات المسلحة حتى لا يتمردوا ولخداع الشعب حتى لا يثور!!.
لقد تم استخدام هشام فى فصول خطة الخداع الاستراتيجى لحرب أكتوبر 1973، حتى ساهمت المعلومات التى نقلها فى إقناع قادة إسرائيل بأن مصر لن تحارب ولو بعد مائة عام!.
أما هشام نفسه، فقد بدأ يتصرف كجاسوس محترف!!.
وكان ينوع مداخله، وطرق وصوله إلى كل من شقة جورج فى سلون سكوير، أو إلى دار السفارة الإسرائيلية فى بالاس جرين. فمرة يدخل إلى بالاس جرين من ناحية نوتينج هيل جيت، بعد أن يكون قد احتسى مشروبا فى حانة سوان، أو جلس يعتصر بعض المعلومات من شخصية يختارها بدقة.. ومرة يدخل إلى نفس الشارع من بالاس جيت، وشارع كينزنجتون جروف العريض الشهير، الذى تربض فيه قاعة الموسيقى العظيمة رويال ألبرت هول، كإحدى علاماته التى لا تغيب عن البال!.
أما شقة جورج فقد كان يصل إليها أحيانا بتاكسي، أو يجلس على مقهى بالم تحتها، ثم يتمشى إلى بوابة بنايتها، أو يركب مترو الإنفاق، ويركب المصعد من النفق مباشرة، دون حاجة إلى أن يظهر على سطح الأرض.
وبدا هشام منهمكا فى عمليات جمع المعلومات، وتسليمها باليد، أو إرسالها بالشفرة وبالحبر السري، على عناوين بعينها فى أوروبا، وفى إنجلترا نفسها تم تلقينها له، كما بدا منهمكا فى الحصول على المال، بل وبدأ يدخل فى عمليات مساومة حول زيادة سعر المادة التى يأتى بها.
بعبارة أخرى بدأ يعرف قيمة البضاعة التى يبيعها.. البضاعة التى لم تكن تعنى ـ من زاوية أخرى غير تلك التى ينظر منها ــ سوى الوطن وشعب هذا الوطن.. الآباء، والأشقاء، والأبناء، والأصدقاء.
وكذلك بدا هشام أثناء وجوده فى لندن منهمكا فى أن يعيش فصول حياته الجديدة، حيث يذهب إلى كازينو البلاى بوى وحده، وإلى المطاعم الفاخرة، وبدأ يتعلم مصادقة البنات، والأنفاق عليهن.. بل وبدأ يحجم عن إمداد أبيه بكل المصروفات اللازمة لعلاجه، مفضلا أن ينفق ماله على هذا اللون من الإنفاق الجديد.. واللذيذ!!.
كما أصبح المكتب الذى استأجره فى مصر، يسبغ وجاهة شديدة على شاغله!.
وبالطبع عرف هشام أنه لا توجد شركة بلجيكية للجرارات ولا يحزنون، وأصبحت صفة هذا المكتب.. استيراد بعض الأجهزة الكهربائية الكمالية التى لا تصنعها مصر، وطرحها فى المعارض التى تزخر بها الأسواق!!.
........................

وفى يوم السبت السادس من أكتوبر، وفى الساعة الثانية والنصف، كان هشام يتسكع فى شوارع القاهرة، باحثا عن قميص ظريف، ورابطة عنق، يرتديهما فى سهرة صاخبة كان قد خطط لها.
وفجأة تسمر فى مكانه، إذ طرقت أذنه بعنف عبارة، أطلقها رجل جواره، وهو يخاطب آخر.
الحرب قامت.. ومصر وسوريا هاجمتا إسرائيل! 
لم يكن هشام يدرى ـ بالضبط ـ مانوع هذا الشعور العفوى التلقائى الذى بدر منه عندما سمع الجملة.. كان شعورا فاقد الهوية، يتأرجح بين الفرح والغضب والخوف، إلى أن استقر، بتأثير العوامل الواقعية، التى تشكل حدود ملعبه الحالي، إلى أن يصبح شعورا بالخوف، والرغبة فى أن تنهزم مصر وتنهزم سوريا!!.
عاد هشام بسرعة إلى منزله وبدأ فى أرسال خطابات للموساد على العناوين المحددة له ولكنها لاتصل حيث كانت المخابرات المصرية تحصل عليها قبل وصولها الى العدو.
وكانت الساعات التالية تحمل أنباء الاكتساح الهادر الذى حققته القوات المصرية لخطوط إسرائيل.. وبدأ هشام يشعر أنه أصبح مسكونا بالخوف، واستمر يحاول الاتصال بإدوارد وجورج من خلال الخطابات.
نزل هشام إلى الشارع يحاول إلهاء نفسه بأى شئ! 
لم يكن يفكر سوى فى نفسه.
لم يتذكر حتى أمه، أو أخاه الذى لابد أنه ــ فى تلك اللحظات ــ كان يشارك فى القتال المستمر الذى يدور خندقا بخندق، وموقعا بموقع.
وانطلقت المسيرات فى مصر تؤيد القوات المسلحة وتزغرد من أجل العبور.
***

هذا المشهد العظيم فى أكتوبر 1973، جعل هشام على يقين بأن طريقه، هو فى اتجاه واحد، إلى إسرائيل!!.
وبعد أن انتهت الحرب التى أعادت الكرامة لكل العرب، وحطمت غرور إسرائيل وأذاقتها الذل، دخل هشام على محجوب مرحلة جديدة فى علاقته بإسرائيل، إذ كان يود أن يؤكد للموساد إخلاصه، وأن المعلومات التى ينقلها إليهم صحيحة، وأنه لا يعرف كيف استطاعت مصر أن تحارب، على الرغم من كل المعلومات التى توافرت لديه قبل ذلك، والتى نقلها جميعا إلى إسرائيل.
ومن جهة أخرى فقد كان الموساد يشك ــ بقوة ــ فى هشام بعدما اعتمدت قيادات لقطاعات كثيرة من الجيش الإسرائيلي، على المعلومات المضللة التى كان يمدها بها، واتخذت من القرارات قبيل القتال، وأثناءه، ما نجمت عنه هزيمة إسرائيل الكاسحة.
........................

انغمس هشام ــ أكثر ــ فى وحل الهوان والخذلان ــ، بذهابه إلى إسرائيل بجواز سفر باسم آخر، من مطار أورلى فى فرنسا.
وفى تل أبيب قام رجال الموساد ــ بحضور إدوارد الذى كان يقول دائما: معى الكتالوج الخاص بهذا الولد ـ باستجواب هشام، وذلك للتأكد من أنه ليس كاذبا. ثم رأى الموساد أن يعاد تدريب هشام من جديد، على استخدام جهاز لاسلكى حديث، ثم عاد إلى فرنسا ومعه جهاز لاسلكى عبارة عن بار خشبى للتمويه.
كل هذا وعيون مصر الساهرة تتابعه فى كل خطوة، حتى داخل إسرائيل نفسها.
وبعد عودة هشام للقاهرة، دخل رجالنا إلى مقر إقامة هشام، وعطلوا جهاز اللاسلكى.. وكانت هذه رسالة أزعجت الموساد جدا، إذ أن تعطيل الجهاز بهذا الشكل كان يعنى أن هشام تحت الرقابة، إلا أن الكفاءة الفنية المذهلة لرجالنا، جعلت عملية تعطيل الجهاز تبدو، وكأنها عملية طبيعية وليست وليدة تخريب!! حيث سبق التعرف على إمكانيات هذا الجهاز من عمليات سابقة فى المخابرات المصرية.
ومرة أخرى سافر هشام إلى تل أبيب ــ عبر فرنسا ــ حيث تم تدريبه على جهاز لاسلكى آخر جديد ووضع فى وسيلة إخفاء مختلفة (ثلاجة صغيرة).
وعند ذلك صدر قرار جهاز المخابرات العامة فى مصر، بإغلاق ملف عملية السنجاب، بعد أن أدت دورها وحققت أغراضها لمصلحة الأمن القومى المصرى.
وصدرت التعليمات إلى عناصر الأمن المصرية من كلمة واحدة المتفق عليها وهى الصاعقة ليتم القبض على هشام بالتنسيق مع نيابة أمن الدولة.
***

هل تريدون أن تعرفوا آخر ورقة فى ملف هذه القصة التى تمتزج فيها البطولة والنصر، بالخزى والخذلان، والصعود بالسقوط، بطولة رجالنا الذين يسهرون على سلامة الوطن وسلامة المواطن وخزى وخذلان من باعوا الأوطان بأرخص الأثمان؟.
فى القاهرة جرى التحقيق معه، بمعرفة رجال نيابة أمن الدولة، وقدم للمحاكمة، وأمام المحكمة اعترف تفصيليا بخيانته وعاره.
وكان الحكم الرادع هو الإعدام.
ولكنه لم يصل إلى منصة الإعدام، فقد مات فى السجن قبل التنفيذ، وهو ـ فى الحقيقة ـ كان قد مات قبل ذلك بوقت طويل.. طويل.. منذ أول لقاءاته مع العدو بقلب ميت وضمير ميت.


الصاعقة (2).. من ملفات المخابرات العامة

الصاعقة (2)
من ملفات المخابرات العامة

انفرد بتفاصيلها وأعدها للنشر: ابراهيم نافع

جريدة الأهرام - الاثنين 19 أكتوبر 1998م - 28 جمادى الآخرة 1419هـ
(بالتزامن مع جريدة الحياة اللندنية فى نفس اليوم)

قصة هشام محجوب.. جاسوس إسرائيل الذى استخدمته مصر فى عملية الخداع الاستراتيجى قبل حرب أكتوبر
السنجاب المصرى يقع فى براثن الموساد والمخابرات العامة تبدأ عملية المطاردة فى لندن

(2) مطاردة السنجاب! 

فى إحدى حجرات مبنى المخابرات العامة، كان أفراد المجموعة التى تتابع الموضوع، قد انهمكوا فى مناقشة تفاصيل هذه العملية، التى اكتملت بداياتها، وتنبيء بأن الموساد وجد منفذا إلى عميل جديد.
وكانت كل الاحتمالات موضوعة على المائدة، أحدها أن تتم متابعة تحركات هشام فى القاهرة، فإذا ما أخذت عملية جمعه للمعلومات بعدا معينا، يتم القبض عليه متلبسا، ويواجه باتصاله بعناصر الموساد فى لندن، أما الاحتمال الثانى فكان أن يترك لينفذ كل تكليفات الموساد، ومن هذه العملية يتعرف أفراد الجهاز المصري، على نقاط اهتمام وتركيز العدو، والمعلومات المطلوب وصولها إليه أما الاحتمال الثالث فأن يتقدم هشام للإبلاغ عما حدث ويعتبر بذلك مواطنا مصريا يتمتع بالوطنية فيتم تكليفه بالعمل كعميل مزدوج.
ثم كان الاحتمال الرابع، الأكثر تعقيد، والذى يقوم على فكرة الاستخدام العكسى للجاسوس، أو معرفة طبيعة التكليفات الموكلة إليه، دون أن يدرى ثم إمداده بمعلومات مضللة، بما يربك قيادة العدو، ويشوش تفكيرها أى اعتبار الجاسوس كالقناة، كما تنقل خلالها تكليفات من جانب العدو، يتم تسريب معلومات كاذبة ـ خلالها ـ من جانبنا الى العدو.
وهشام حتى هذه المرحلة، لم يتورط فى شيء، فقد كان ما حدث هو مجرد لقاءات ووعود، وستمائة دولار دفعت بإيصال، كما لم يتلق الجانب الإسرائيلى بعد أية معلومات، بل ولم يشرع فى إعطاء هشام التكليفات الحقيقية الكبيرة اذن.. الفأر مازال طليقا حرا لم يدخل بعد إلى المصيدة، وإنما كان قد تلقى الطعم وابتلعه.
ولأن مثل هذه المساحات ليس فيها مجال للهزل، أو التراخي، فإن التحرك يحسب على احتمال الواحد فى الألف، ومن ثم فقد بدأت المراقبة المستمرة للهدف، بدءا من اتصاله بضابط الموساد الاسرائيلي، الذى حمل اسم ادوارد كوشير، وصفته رجل اعمال انجليزى مسيحى من أصل لبناني! 
كان الاسم الكودى الذى أطلق على هشام فى جهاز المخابرات العامة المصرى هو (السنجاب)، تشبيها له بذلك الحيوان الذى يمضى وقته فى جمع ثمار البندق والكستناء فى حدائق لبنان، ليخزنها ويخبئها ويستعملها فيما بعد، بالضبط مثلما يفعل الجاسوس حين يجمع المعلومات، ومن ثم فقد وضع السنجاب تحت المراقبة الكاملة، لمعرفة أى تطورات تطرأ على علاقته بالإسرائيليين.
***

وفى الاسبوع الأول من يونيو عام 1972 عاد هشام محجوب إلى القاهرة، ومعه والده الذى كان مازال يتلقى علاجا بالمواد الكيمائية وذلك لاستكمال علاجه بالقاهرة
كانت القاهرة تصطخب بمشاعر وأفكار عجيبة، إذ كانت ـ على الرغم من مرور شهور سته ـ مازالت تحت تأثير مظاهرات الطلبة والعمال الهائلة، واعتصام ميدان التحرير الشهير، وصيحات الاحتجاج، والاتهامات بالتراخي، بسبب عدم قدرة القيادة السياسية على أن تبر بوعدها فى أن يكون عام 1971 هو عام الحسم!! 
بلد بأكمله يقف على أطراف أصابعه، وتشكل مانشيتات الصحف منظر حياته اليومية، وحالته العصبية والمزاجية الجماعية!! 
الجرائد هذه الأيام كانت تعج بأخبار وأفكار ساخنة: 
محمد حسنين هيكل يكتب فى مقاله بصراحة متناولا كيف هزمنا فى عام 1967 ولماذا هزمنا، وما الذى هزم فينا، وأين الطريق لتصحيح الهزيمة؟ ويقول أن هذه الأسئلة راودته ولم يتوصل لإجابات كاملة عنها!!.

والأهرام يعلن عن أجرأ عملية فدائية فى أرض العدو.. وأن ثلاثة يابانيين من صفوف المقاومة الفلسطينية حولوا مطار اللد إلى جحيم من النيران،27 قتيلا بينهم أكبر علماء الجيش الإسرائيلي.. الجرحى أكثر من 80 نصفهم فى حالة خطرة.. عاصفة من التفجيرات تستقبل نيكسون،12 تفجيرا أصاب أحدها مستشار الرئيس الأمريكى لشئون إيران.. العراق تؤمم شركة النفط العراقية.. وسوريا هى الأخرى تؤمم شركة النفط السورية.. القذافى يعلن أن مفتاح حل مشكلة احتلال الأراضى العربية فى يد السادات الذى تتوافر لديه استعدادات للمعركة أكثر من أى وقت مضي.. مسئول مصرى يعلن أن المناورات العسكرية المصرية مستمرة منذ 6 شهور.. زلزال فى القاهرة شعر به كل السكان لقوته.. غرق معدية فى النيل تحمل 50 شخصا قرب بنها إسرائيل تهاجم لبنان بقوات برية وجوية وتأسر 5 ضباط سوريين، وآخر لبنانيا، وتتسبب فى مصرع 18 شخصا.. مجهول يلقى قنبلة على السفارة المصرية فى روما.. رئيس الأركان الاسرائيلى يشير الى حشود مصرية على الحدود، ويطالب برفع درجة الاستعداد). 
كان هذا هو شكل مصر المحروسة وقت أن عاد هشام على محجوب إليها محملا بأول تكليف لجمع المعلومات حتى وإن كان بريئا،. حتى وإن كان محدودا.، إذ أن الموضوع كله كان بالون اختبار لقدرات هشام، ولمدى التفات المخابرات المصرية إليه وإلى بدء إتصالاته بالموساد.
***

وفى الغرفة التى اجتمع فيها أفراد المجموعة المكلفة بالعملية، كانت الخطط قد وضعت لمطاردة السنجاب فى القاهرة، والوقوف على كل تفاصيل تحركاته.
فى بداية وصول هشام للقاهرة، نزل فى فندق كليوباترا فى ميدان التحرير لمدة ثلاثة أيام حتى ينتهى من مهمته، لم يكن يدرى أنه يقوم بمهمة ذات طابع سري، ولكن فقط كان يود أن ينجز بسرعة، وبكفاءة بعيدا عن ضجة البيت عند أمه وزيارات الأقارب والأصدقاء.
وفى الفندق كان أحد رجال المخابرات المصرية، يجلس فى صالة الاستقبال كواحد من موظفيه، لاستلام هشام عندما يدخل، وعندما يخرج يسلمه لزميل له على مقعد سيارة أجرة فى منطقة انتظار السيارات ليبدأ فى ملاحقته من ساعة خروجه من الفندق، وركوبه سيارته، أو أول سيارة أجرة، وكانت السيارة الأجرة الواقفة فى أول طابور انتظار التاكسى ـ نفسها ـ بقيادة أحد رجال جهاز الأمن المصري.
ولم يتركوه لحظة واحدة، وهو يتجول على مكاتب السماسرة، للسؤال عن أسعار الأراضي.، أو مكاتب موظفى التليفونات للبحث عن خط تليفونى بطرق ملتوية إبان ازمة التليفونات المستعصية بل أنهم لم يتوقفوا عن متابعته حتى إذا صعد أحد مكاتب السماسرة، حيث كان لابد أن يصعد وراءه أحد رجالنا ليعرف بالضبط أين صعد، ومع من تكلم أو تعاقد، وحتى مكتب السمسرة نفسه سوف يكون موضع تحقيق دقيق بعد انصراف الشخص المراقب! 
حتى احتمال أن يكون رجل الموساد قد درب هشام بعيدا عن أعين رجال المخابرات المصرية على فنون الهروب من مطاردة السيارات، لم يترك دون احتياط، فإذا لجأ هشام إلى إجراءات تأمينية ليعرف ما إذا كان أحد يلاحقه أم لا، كان يدخل ـ مثلا ـ فى شارع سد بالسيارة، ليعرف ما إذا كانت السيارة خلفه ستدخل هى الأخرى أم لا، أو أن يقوم باللف حول ميدان  Round about مرتين أثناء قيادته للسيارة، أو حتى بالتاكسى الذى يركبه فإذا قامت السيارة خلفه باللف مرتين عرف أنها كانت تتابعه وتطارده، وبالتالى يتجه وجهة اخرى أو يعود أدراجه، وهنا يجب أن ينسحب رجل الأمن ويتصل بسيارة أخرى من أقرب نقطة لتتولى من جهتها المراقبة والمتابعة.
وعلى الرغم من أنه ثبت أن هشام لم يدرب على تقنيات الهروب من المتابعة إلا أن المراقبة استمرت لحظة بلحظة، وكانت حصيلتها بالتحديد أن معظم الأماكن التى سأل هشام عن أسعار إيجارات المكاتب فيها والتى أخبره إدوارد أنها ستكون مناسبة لمقر الشركة، كانت تقع على طرق رئيسية التى درجت القوات المسلحة على استخدامها ليلا لنقل العتاد والجند، أثناء التحركات أو المناورات.
أما أماكن قطع الأراضى التى كلفوه بالسؤال عنها لبناء المصنع، فكانت كلها تقريبا فى دائرة واحدة، تقع حول، أو فى منطقة كوم أوشيم بمحافظة الجيزة، وهى تلك المنطقة التى توجد بها قاعدة، تدخل ضمن نطاقات الدفاع الجوى عن القاهرة الكبرى!! 
***

وبعد أن أمضى هشام محجوب ثلاثة أيام فى الفندق، ذهب إلى شقة أسرته وأمضى هناك بقية أيام الشهرين اللذين أمضاهما فى القاهرة.
فى أواخر أيام الاجازة كان هشام تواقا للعودة الى لندن، وتوصيل المعلومات المطلوبة إلى إدوارد كما يتحصل منه على دفعة مالية جديدة وبخاصة أن زوجته كانت قد اتصلت به من لندن وطلبت منه مبلغا إضافيا لمصاريف العلاج.
لم يعد هشام ملتفتا فى الكثير أو القليل، إلى عمله فى مصر للطيران، كل ذرة من تركيزه كانت منصبة على العمل مع إدوارد، وذلك الجو الفخيم، المليء بموائد العشاء الفاخر، فى أكبر الفنادق، وأهم أنواع النبيذ، ونوادى القمار، وآفاق الأهمية التى تنبيء بها.
وطوال المسافة التى قطعتها الطائرة به فى نهاية إجازته إلى لندن، لم يكن فى ذهنه شيء سوى مدى رضاء إدوارد عنه، عندما يعود اليه بالمعلومات ولم يكن فى ذهنه أن عيون رجال المخابرات المصرية تتابعه خارج وداخل البلاد.
هذه المرة حمله التاكسى من المطار إلى فندق شديد الفخامة اسمه السافوى كورت، وكان إدوارد قد اتفق معه على أن ينزل فيه لدى عودته من القاهرة، وأن (الشركة) ستقوم بدفع الحساب!! 
والحقيقة أن إدوارد كان يحرص من وراء اختياره لهذا الفندق بالذات، إلى تحقيق عدة أهداف فى وقت واحد: أولها أنه بعيد عن فندق رويال لانكستر، الذى اعتادت أفواج مصر للطيران النزول فيه فى ذلك الوقت، والذى كان هشام دائم التردد عليه للالتقاء مع أعضاء الأطقم أو اصطحابهم إلى الخارج.. ثم أنه فندق مبهر بالفعل والاقامة الملوكى فيه تدخل خطة إبهار هشام التى بدأت بكازينو البلاى بوي، وهو ـ كذلك ـ يقع أمام فندق ستراند مباشرة (وهو فندق كما سنرى له مداخل ومخارج مختلفة وعجيبة، يمكن أن تستخدم بنجاح فى عمليات تأمين اللقاءات وأخيرا فإن وجود المدخل الخاص (حارة صغيرة) فى فندق سافوى كورت يجعل أية عملية مراقبة ـ إذا أراد صاحبها ألا تنكشف ـ أن تبدأ من شارع ستراند، أى خارج الممر، وبالتالى فإن هشام أو إدوارد، يمكن أن يستقل تاكسيا من داخل هذا الممر ويمرق به إلى الشارع العمومى من دون أن يلاحظه أى مراقب!!
***

أنهت موظفة الاستقبال إجراءات تسجيل وصول هشام، بينما، هو يلقى بنفسه على أحد المقاعد المتناثرة فى الصالة على أرضية مربعات من الرخام الأبيض والأسود، تناثرت عليها سجاجيد قديمة، ورفع ناظريه إلى السقف الذى ترصعه 12 نجفة أثرية من الزجاج المصنفر والنحاس الأوكسيديه، وأخذ يسلى نفسه بمراقبة الداخل والخارج من البابين الدوارين، اللذين تعلو كل منهما من الداخل نصف دائرة من زجاج أخضر فاتح، واللذين يفضيان إلى الممر الخارجي، حيث يوجد سافوى تياترو، أو مسرح سافوى ومجموعة من المتاجر الفخيمة، وموقف لسيارات الأجرة السوداء التقليدية، يعلوه سقف شفاف من الزجاج المصنفر.
كانت التعليمات إلى هشام واضحة.. الا يتصل بإدوارد وأن ينتظر أن يتصل به إدوارد، بحجة أن رأفت دائم التردد على مكتب إدوارد ولا يجب أن يعرف شيئا عن اتصال هشام بالمكتب، حتى لا يقحم نفسه على البيزنيس الجديد.
إذن فسوف يبقى هشام أسيرا داخل هذا الفندق الجميل، إلى أن يحدث الاتصال الموعود.
***

ومر يوم بأكمله دون أن يحصل هشام على الاتصال، وبدأ هشام يمضى معظم الوقت فى غرفته، إذا هاجمته هواجس مبررها أنه إذا جلس فى صالة الاستقبال، فقد لا يسمع النداء الصوتى إذا ما جاءته المكالمة.
وحين رن جرس التليفون فى غرفته، فى اليوم التالي، كان أجمل ما سمع هشام فى حياته، قفز من على سريره، والتقط السماعة بفرح فوار، وعلى الجانب الآخر من الخط كان صوت إدوارد، يسأله عن صحته، وهل أنجز جمع المعلومات اللازمة.. ثم يضرب له موعدا فى مطعم ريفر، ولما سأله هشام عن مكان هذا المطعم، ضحك بصوت عال، قائلا إنه تحتك يا هشام، فى نفس الفندق.
وفى الثامنه مساء (الموعد المضروب) كان هشام قد ارتدى حلة رمادية غامقة ورابطة عنق فاخرة الألوان، وهبط إلى مطعم ريفر، حيث مدخله من ردهة الاستقبال، حيث هبطت به عشر درجات سلم، إلى باب خشبى بزجاج على شكل مربعات.. وبينما على جانبى السلم درابزين من الحديد الأسود المشغول، والمجموعة كلها ـ أفضت به إلى بهو رحب جدا تتوسط سقفه نجفة اثرية ضخمة جدا، وتتناثر فيه المقاعد، والأرائك ذات الألوان الداكنة وفى الركن ساعة أثرية ايضا (تيمفوس فوجيتسل)، ووراء هذا الباب بيانو أسود حوله جدران مغطاة بورق حائط مشغول منه فيه، باللون السالمون الفاتح، وحول هذه القاعة 25 عمودا رخاميا من الجرانيت الوردى الفاتح المعروق بعروق غامقة.
وبعد هذه الردهة كان المطعم الكلاسيكى الجميل (ريفر).
حياة هشام الآن ـ أصبحت الفرجة والإستمتاع، بهذه المطاعم والفنادق، ومحاولة إرضاء إدوارد والحصول على ثقته.
وعلى مدخل المطعم كان إدوارد فى انتظاره، يرحب به على الطريقة العربية، مقبلا إياه على خديه الأيمن والايسر، بما لفت أنظار المحيطين، إذ كانت تلك التقاليد العربية غير معروفة ـ بعد ـ فى بريطانيا.
جلس الصديقان على مائدة فى مكان بارز، واستمع إدوارد إلى الحصيلة التى رجع بها هشام، ولفت نظره دقتها هذه المرة بسيل متتال من الاسئلة يغلفها بعبارات تقدير عن إنجاز هشام.
عمل عظيم ومجهود رائع.. سوف تقوم الشركة بدراسة جدوى المشروع، على ضوء المعلومات التى قدمتها.. ولكن الشركة تريد بعض المعلومات عنك، وعن شهادتك وأسرتك.
وهنا أجابه هشام.. والدى ضابط فى القوات المسلحة لواء على المعاش الآن، ولى ثلاثة أخوة من الذكور، واحد ضابط فى القوات المسلحة، والثانى مهندس، والثالث موظف وسبق له الخدمة كمجند بالقوات المسلحة.
وواصل إدوارد الضغط على هشام بالأسئلة: فى أى سلاح كان والدك يخدم.. وما هو وقت خروجه إلى المعاش، وهل مازال يلتقى زملائه القدامى وتلامذته.. وأين يخدم أخوك، وفى أى سلاح، وهل ينتظر أن يتم تجنيد أخوك المهندس كضابط احتياط. 
وكان هشام يجيب، والخاطر المسيطر عليه أن يرضى إدوارد، وأن كل هذه الأسئلة للتعرف على مستواه الاجتماعي، إذ ربما يكون للوظيفة المنتظرة جانب يحتاج الى مثل هذه المعلومات!! 
وطلب إدوارد من هشام أن يشرع فى تأجير شقة خالية فى القاهرة، وأن يزودها بجهاز تلكس، وتليفون، وأعاد عليه التأكيد استعداد الشركة لدفع الرشاوى المطلوبة، كما طلب منه أن يحاول توطيد علاقته ببعض العاملين بمصر للطيران، إذ ربما سنحتاج إلى مهندسين ميكانيكيين فى الشركة، وأخيرا فإن إدوارد لوح لهشام بأنه قد يلتقى خلال أيام بمدير الشركة البلجيكية.
وأخيرا، بينما هشام يتابع فى اهتمام لاهث، قال له إدوارد ان كل مقابلاتنا، بدءا من الآن، ستتم فى فندق ستراند المقابل لفندق سافوي، وعلل إدوارد هذا بأنه رجل معروف فى مجال البيزنيس ولا يريد أن يرصد أحد من منافسيه تحركاته، إذ ربما يؤدى ذلك إلى استنتاجهم طبيعة نشاطه المقبل.
وكان هشام قد عطل عقله تماما، وأصبح على استعداد لقبول أى اشياء تقال بسهولة حتى ولو كانت مجرد كلام فارغ.
ولكى يدعم إدوارد استقرار هشام الداخلي، وارتباطه اعطاه مرتب شهرين مرة واحدة بايصال بدون تاريخ، وابلغه أن التعيين سيتم فور مقابلته لرئيس الشركة البلجيكية. 
وخرج هشام بعد ذلك العشاء وهو يشعر أنه على أبواب أهم مراحل حياته.. على ابواب النجاح الحقيقى.
.......................

وفى اليومين اللذين تليا ذلك اللقاء المفصل، عاد هشام إلى انتظار مكالمة إدوارد التى سيخبره فيها بموعده مع رئيس الشركة البلجيكية.
وكالعادة مر هشام بفصول الملل كلها، وهو ينتظر مكالمة إدوارد ثم جاءه أخيرا صوت إدوارد يقول عندى خبر سار لك لقد وصل الى لندن مدير الشركة البلجيكية، وعليك بالحضور غدا صباحا لمقابلته فى فندق ستراند بالاس، حيث ينزل، وأن تكون آخر شياكة، وتلبس أفخر ما عند ملابس، وسيكون الموعد فى العاشرة، حيث ستجدنى فى انتظارك فى بهو الفندق.
***

وفندق ستراند بالاس ـ هذا ـ هو فندق عجيب يشبه بيت جحا، وقد أنشيء عام 1909، إذ أن جميع المحلات خارجه (جولد سميث للساعات والكريستال ـ ولويد بيكر للجلود ـ وهاوس أوف جيونيسكى للهدايا الإنجليزية التقليدية، لها مداخل بعتبات من الفسيفساء الأبيض والأسود، ولها مخارج تقع فى داخل الفندق نفسه، أى أن الإنسان يمكن أن يستخدم أحدها لدخول الفندق من دون أن يتوقع ذلك أى أحد يراقبه، إذ سيظل القائم بالمراقبة يتصور أن الهدف دخل إلى المحل ولم يدخل الفندق.
ومن ناحية أخرى فإن قهوة وبار جونستون فى شارع ليج ستريت الجانبى تفضى هى الأخرى إلى داخل الفندق من الجانب المقابل، أى إلى ردهة استقبال الفندق التى تقع فى المنتصف ثم يوجد مخرج جانبى يفضى بك إلى خارج الفندق من الناحية اليسري.
أى أنك يمكن أن تدخل من جونستون كافيه، وتخرج من إكسترا ستريت، أو تدخل من الباب الرئيسى وتخرج إما من جونستون كافيه، أو إكسترا ستريت، أو تدخل من أى محل، وتخرج من أى مخرج.
وكل هذا مناسب جدا للتمويه، وإجراءات تأمين المقابلات فضلا عن أن الموقع قريب جدا من الفندق الذى خطط الموساد لإقامة هشام فيه وهو سافوى كورت.
.......................

وفى الموعد المضروب عبر هشام محجوب الشارع الذى يفصل بين الفندقين، وابتاع علبه سجائر، وجريدة صباحية إنجليزية ثم دلف إلى فندق استراند من أحد المداخل الفرعية عبر قهوة جونستون.
وانتظر هشام فى بهو الاستقبال الكبير لمدة عشر دقائق، انتابه فيها قلق كبير، ولكن بظهور إدوارد انفرجت أساريره، كأنه وجد معشوقته وحبيبة قلبه!! 
وبادره إدوارد قائلا سوف نذهب الآن إلى الشقة التى ينزل بها مدير الشركة البلجيكية.
وسأل هشام باستغراب ألم تقل أنه ينزل فى فندق إستراند بالاس؟! 
فأجابه إدوارد لقد وجد بالأمس شقة مناسبة انتقل إليها لأن إقامته فى لندن سوف تطول قليلا.
وعلى باب الفندق أوقف إدوارد تاكسيا، وطلب منه الذهاب إلى هاى ستريت أوف كينزنجتون.
وما إن نزل الرجلان، من سيارة الأجرة، حتى راح إدوارد ينبه هشام الى ضرورة التحدث مع المدير بلغة إنجليزية راقية، ومراعاة أصول الاحترام واللياقة.
وانعطف إدوارد من الشارع الرئيسى ليدخل إلى حديقة كينزنجتون من بوابة بالاس جيت، كان حيث شارع بالاس جرين.. وكأنه أثناء تلك التمشية يكتسح كل شيء حوله بنظره، فيما كان هشام يستجمع نفسه قبل لقاء الرجل الذى سيمنحه الاستقرار المادي، وآفاق نجاح بلا حدود.
.......................

توقف إدوارد فجأة ـ أمام مبنى قديم عمره أكثر من مائة عام، وصعد مع هشام درجتى سلم، قبل أن يقرع الجرس، فيفتح الباب.
وما إن دخل هشام نصف خطوة إلى الداخل، حتى فوجئ بأربعة من الحراس المدججين بالسلاح يفتشونه ذاتيا، ثم يقتادونه إلى مكتب أغلقوه عليه، بينما اختفى إدوارد تماما.
وبعد ساعة كاملة حضر أدوارد ليخاطب هشام بعبارة حازمة ولهجة خشنة لم يعتدها منه، من قبل: 
أنت ـ الآن ـ يا عزيزى فى السفارة الإسرائيلية.



السبت، 31 أغسطس 2019

الصاعقة (1).. من ملفات المخابرات العامة

الصاعقة (1)
من ملفات المخابرات العامة

انفرد بتفاصيلها وأعدها للنشر: ابراهيم نافع

جريدة الأهرام - السبت 17 أكتوبر 1998م - 26 جمادى الآخرة 1419هـ
(بالتزامن مع جريدة الحياة اللندنية فى نفس اليوم)

قصة هشام محجوب.. جاسوس إسرائيل الذى استخدمته مصر فى عملية الخداع الاستراتيجى قبل حرب أكتوبر


كلمة لابد منها.. قبل أن تقرأ

كانت هذه هى كلمة السر التى أنهت واحدة من أكبر وأخطر عمليات رجال المخابرات المصرية، عيون مصر الساهرة. 
هى الكلمة التى شكلت السطر الأخير فى قصة مذهلة، تتابعت فصولها على امتداد زمنى طويل، وتضمنت مشاعر إنسانية مركبة أو معقدة، أفشت فى كل وقائعها وجوانبها، معانى متضاربة عن الخيانة.. والسقوط.. والوطنية.. والكفاءة المهنية العالية!!
وقبل أن تتعاقب فصول هذه القصة على الورق، والتى نحكيها ونحن نحتفل بالعيد الفضى لنصر أكتوبر العظيم، ربما يلزم أن نشير إلى بعض ملامحها، واطار العمليات التى تمت فيه.
فنحن أمام عملية أمنية بالغة التشابك، لم يتم خلالها ـ فقط ـ مراقبة أو متابعة الهدف أو الجاسوس، وانما تم استخدامه أيضا كقناة يتم ـ عبرهاـ تسريب المعلومات والبيانات المضللة إلى العدو حتى يتوه عن ساعة الصفر فى حرب أكتوبر المجيدة، التى كانت آخر ما يفكر فيه، أو تخطر له على بال.
ثم أننا أمام عملية دارت بعض وقائعها على أرض أجنبية، وبالذات فى العاصمة البريطانية لندن، ومن ثم فإن حجم الإنجاز المهنى ـ إذا جاز التعبيرـ الذى حققه رجال المخابرات المصرية فى المتابعة والمراقبة، ثم فى إنهاء العملية والقبض على الجاسوس ليلقى جزءه الرادع العادل، يعد ـ من الناحية الفنيةـ إعجازا حقيقيا، واستخداما نموذجيا لكل الإمكانيات والأدوات المتاحة، لتحقيق النتيجة القصوي، والانتصار على الموساد جهاز المخابرات الإسرائيلى فى معركة أخري، ضمن معارك حرب الجاسوسية والمعلومات. 
وأخيرا.. فإننا أمام عملية هى ـ فى أبسط وصف لهاـ عمل من أعمال الحرب، لأنها ليست عملية جمع معلومات أو تجسس عادي، ولكن عملية كان لها مردود مباشر على عمليات الحرب وعلى التشويش الكامل، على المعلومات التى يستند إليها فكر الجيش الإسرائيلى فى تشكيل أو اتخاذ قراره العملياتى المباشر على الأرض.. 
هى واحدة من حكايات النصر.. نكشف عنها مع الاحتفالات بهذا النصر.. 
هى احدة من أوراق كثيرة فى ملفات المخابرات العامة، تشير ـ بكل الاعتزاز والفخارـ إلى قدرات الرجال الذين راقبوا وتابعوا بعيون الذئاب وسمع الثعالب، حتى أوقعوا بواحد من أخطر الجواسيس قبيل حرب تحرير التراب الوطنى من بين براثن العدو عنوة واقتدارا، وابان معارك أكتوبر المجيدة التى صعدت بالكرامة العربية إلى أعنة الجبال الرواسي.
وعندما تأكد رجال المخابرات المصرية من أنهم قد استخدموا هذا الجاسوس فى تحقيق كل أهدافهم من العملية، وسربوا عبر القناة التى يمثلها كل ما يريدون تسريبه إلى إسرائيل، كانت ثمة كلمة واحدة تحمل إليهم التوجيه بإنهاء العملية والقبض على الهدف لكى ينال قصاصه..
الكلمة كانت.. (الصاعقة)!
ولن نحكى ـ هنا ـ الفصل الأخير من هذه القصة، التى تعد واحدة من أكثر قصص الجاسوسية إثارة، ولكننا سنحكى فصولها من البداية، ونكاد نحبس أنفاسنا ونحن نتابع وثائقها بالغة التشويق فصلا بعد فصل، ومطاردة بعد مطاردة، ومراقبات، ومداورات، ومراوغات فى الخفاء والعلن، داخل فنادق العاصمة البريطانية، وشوارعها وحدائقها، حيث شهدت ساعة بساعة، ويوما بيوم فصول هذه القصة، والتى نكشف عنها الستار لأول مرة، بعد خمسة وعشرين عاما من وقوعها، وفى اليوبيل الفضى لنصر أكتوبر العظيم.
قصة بدأت بكلمة الخيانة.. وأنهتها ـ كالصاعقةـ كلمة الصاعقة.. تماما كما كانت ضربة الطيران الحاسمة بقيادة الرئيس حسنى مبارك، صاعقة حرب 73 التى عجلت بنهاية الأسطورة الإسرائيلية.
***


(1) بلاى بوي
على الرغم من أن الجو كان ربيعا نموذجيا فى لندن يوم 16 مايو 1972، وعلى الرغم من أنه خلا من أية برودة، فإن رعدة سرت فى جسد هشام، وهو يقف على عتبات كازينو البلاى بوى على ناصية كيرزون ستريت، وبارك لين. 
لم يكن يدرى ـ كما قال بنفسه فيما بعد.. ما إذا كان هذا الإحساس وليد برودة داخلية أحس بها، أو شعور نشوة وإثارة احتل عقله وسكن قلبه الممتليء بخيالات وأطياف عن هذا المكان الذى كثيرا ما سمع عنه، وارتسمت فى ذهنه صورة أسطورية له. 
ولكن ما الذى دفع هشام ـ الشاب المصرى الأسمرـ إلى عتبات هذا الكازينو الشهير التى كانت فى الحقيقة عتبات طريق جديد وساحة مجهولة، يوشك أن يدلف إليها؟. 
كانت قصة طويلة عرف بدايتها ولكنه لم يعرف كيف ستكون النهاية!

القصة تبدأ فى يوم لم تطلع شمسه، ملبد السماء، قارس البرودة، من أيام شهر فبراير من العام نفسه، حين هبطت طائرة مصر للطيران فى مطار هيثرو، ونزل على سلمها شاب مصري، متوسط الطول، وإلى جواره زوجته الشابة تحاول معاونته، ومعاونة طاقم المضيفين فى إنزال والده الجالس ـبجسده النحيل المتهالكـ على كرسى ذى عجلات. 
على سلم الطائرة كان رأس الشاب ـ كما قال هو أيضا بعد ذلكـ مهموما بحالة أبيه المريض، ضابط القوات المسلحة على المعاش الذى أنهكه السرطان فطار مع ابنه عله يجد شفاء ـأو حتى تخفيفا لآلامهـ فى مستشفيات لندن تاركا زوجته أم هشام فى القاهرة. 
بدأ هشام على محجوب ـ وهذا هو اسمه كما هو مدون فى جواز سفرهـ يرتدى معطفا أسود طويلا، كان يضعه على يده، بمجرد خروجه من بوابة المطار الخارجية، بعد أن لفحه جو لندن القارس البرودة، بينما يده اليسرى مشغولة بحقيبة يد. 
تاريخ ميلاده فى جواز سفره يقول انه من مواليد 6 مارس عام 1941، يعنى أنه عندما هبط فى مطار هيثرو لأول مرة كان عمره واحدا وثلاثين عاما.. حيث استقل مع زوجته وأبيه تاكسيا من طابور التاكسيات الواقفة أمام بوابة الوصول، متوجها إلى الفندق الذى سينزل فيه مع أسرته فى لندن. 
طوال الطريق كان ذهنه يموج بأفكار صاخبة، وقد ثبت نظره على زجاج نافذة سيارة الأجرة الانجليزية التقليدية السوداء.. فقد كان يتصور حين جاء إلى لندن للمرة الأولى ـقبل ذلك بشهورـ ليعمل ضابطا أول للعمليات الجوية فى شركة مصر للطيران، مهمته رسم مسارات وارتفاعات الرحلات الجوية، ومتابعة تجهيز جداول نوبتجيات الطيارين والمضيفين والموظفين، انه قد بدأ طريقه ـبالفعلـ لتحقيق طموحه الكبير، فى أن يصبح شيئا، ولكنه ما كاد يضع قدميه على جادة الطريق، حتى فوجيء بالمرض القاتل ينقض على أبيه، والذى لم تكن ظروفه المادية تسمح بالتصدى لمصاريف العلاج الباهظة. 
ولقد استعان هشام ببعض أصدقائه من الأطباء المصريين فى لندن لكى يقدموا له النصيحة بخصوص موضوع العلاج، وكان قد نجح فى الحصول على تذكرتين مخفضتين من مصر للطيران لوالده وزوجته، ولكن مسألة الإقامة وما تتكلفه من نقود، كان هو الموضوع الذى يشغل باله، ويقض مضجعه.. ويجثم على قلبه. 
أفاق هشام من استرسالاته، على هزة عنيفة سببها توقف التاكسى أمام بوابة فندق رويال لانكستر بعدما عبر حديقة الهايدبارك إلى لانستر جيت فى بيز ووتر.. بعدها حاسب السائق وساعده بعض العاملين فى الفندق فى نقل أبيه وأمتعته إلى الداخل. 
***


بداية الخيط
فندق رويال لانكستر، كان هو الذى تنزل به مجموعات مصر للطيران، فى العاصمة البريطانية ـعادةـ وكان هشام دائم التردد عليه للقاء زملائه طوال فترة وجوده وعمله ثم كان ينزل به أحيانا كلما كان يعود إلى لندن مرة أخرى قادما من القاهرة. 
وفى هذا الفندق تعرف هشام على مديره المصرى رأفت ـالذى كان يعمل لمصلحة الموساد ومتابعا من المخابرات المصريةـ ونشأت بينهما مباديء صداقة، ولاحظ أن رأفت كان دائما ما يسعى إلى عقد صداقات مع أفراد طواقم مصر للطيران، تحت عنوان أنهم أبناء بلدي!! 
كان رأفت متزوجا من انجليزية يهودية الديانة، وحكى لهشام ـ مرة ـ عن ثقة مالك الفندق فيه، الأمر الذى جعله يضع معظم قرارات العمل ـ بالفعلـ فى يده، كما سمع هشام عن أن مالك الفندق الانجليزى هو من أصل يهودي. 
وضمن سلسلة اقترابات لهشام من رأفت، أخبره مرة بأنه يستطيع مساعدته عندما يكون لديه أى ضيوف يريد أن ينزلوا فى الفندق، ويعطيهم أسعارا مخفضة، ويقدم لهم أى خدمات خاصة. 
وعندما نقل هشام والده وزوجته إلى غرفتيهما، عاد إلى صالة الاستقبال ليسأل عن رأفت، ولم يكن يدرك أن رأفت يجلس فى ركن قصى من صالة الاستقبال، ويثبت عينيه عليه، منذ وصل إلى الفندق، هذه اللحظة، إذ كان على علم بكل تفاصيل مرض الأب، وضائقة هشام من خلال لقاءاتهما السابقة. 
أشارت موظفة الاستقبال إلى مكان رأفت، اندفع هشام إليه ليأخذه بالأحضان، ويجلس الاثنان على مقعدين فى بهو الاستقبال، وحكى هشام لرأفت عن كل شيء، وقال له انه يبحث عن مورد رزق يصرف منه على رحلته مع أسرته فى انجلترا، وعلاج أبيه. 
وعلى الفور كان رأفت يتحدث إلى موظفى الاستقبال لإجراء تخفيض كبير فى مصاريف الإقامة بالفندق.. ثم يتوجه إلى هشام الذى كان غارقا فى شعوره بالامتنان والعرفان ليقول له: موضوع عملك يا هشام يحتاج إلى بعض التفاصيل ما رأيك أن نخرج من هنا لنجلس فى مكان ظريف بعيدا عن جو الفندق والنزلاء والعمل؟
ووافق هشام وبدا غير قادر على التعبير عن شكره لرأفت، الذى أصبح المنقذ وحلال كل العقد. 
أما رأفت.. فقد كان يعرف ما يفعل ـ بالضبطـ بل وبدت كل الوقائع التى تتابعت منذ هذه اللحظة، وكأنها تنفيذ حرفى لتوقعاته وتنبؤاته. 
ذهب الاثنان بعد أن انتهى رأفت من وردية عمله فى الفندق إلى بار فى فندق كمبرلاند على بعد حوالى خمسمائة متر من رويال لانكستر، وجلس الصديقان جلسة حرص ـ رأفت الذى أصبح الآن يمتلك كل مفاتيح الموقف النفسية والعاطفيةـ على أن يجعلها مزيجا من المواساة القلبية لهشام، والتحرك العملى لمؤازرته. 
وفى الجلسة حرص رأفت على أن يستمع ـ مرة أخرى ـ من هشام إلى تفاصيل طبيعة عمله ومؤهلاته، بحجة أن ذلك سيساعده فى العثور على عمل اضافى مناسب له. 
وراح هشام يحكى لرأفت انه حصل على شهادة الثانوية العامة عام 1958، ثم شهادة اللاسلكى عام 1959، وانه يعمل ضابط أول عمليات جوية. 
وكان رأفت يقاطعه من آن لآخر، ذاكرا عبارات من طراز: انها وظيفة حيوية جدا.. لابد أنهم تأكدوا من كفاءتك قبل اختيارك.. هل يعنى رسم مسارات وارتفاعات الرحلات الجوية أنك تتحكم ـكذلكـ فى المساحة التى يمكن لك وللطيار مراقبتها على الأرض؟!.. لابد أن عليكم قيودا شديدة هذه الأيام فالبلد فى حالة حرب.. ما هو الجزاء الذى يمكن أن يقع على الطاقم لو خرجت الطائرة عن مسارها واقتربت من منطقة عسكرية؟!. 
كان رأفت يسأل.. ويسأل، وكان هشام يسترسل.. ويسترسل، بينما كانت كئوس النبيذ الفرنسى الشهير يوردو تدور بينهما كأسا بعد الأخري، فتفك عقدة الألسنة أكثر وأكثر.. 
وبينما كان هشام يعبث بحبات اللوز المملح الموضوعة فى طبق من زجاج أمامهما على البار، بادره رأفت قائلا: أعتقد أن مؤهلاتك وشطارتك تؤهلك لعمل مع أحد أصدقائى من رجال الأعمال المقيمين هنا فى البلد. 
وهنا كان هشام قد بدأ يقتنع أن رأفت هو هدية السماء له، وسأله بلهفة: متى ألقاه؟.. 
وابتسم رأفت، بعد أن أدرك أن فريسته قد أصبحت طوع بنانه تماما، وأراد أن يشعر هشام بأن لا شيء يأتى سهلا، كما أراد أن يتركه نهبا للإحساس بخطر الإفلاس مدة مناسبة، حتى يصبح جاهزا تماما للتعامل معه. 
وأجاب: هو غير موجود فى لندن الآن، وسيعود بعد حوالى عشرة أسابيع، هو رجل أعمال انجليزى من أصل لبنانى مسيحي، وأعماله متناثرة فى عدد كبير من البلاد، وتقتضى منه الغياب عن المركز الرئيسى لمدد طويلة على هذا النحو، ثم أضاف بنبرة قصد أن تكون طبيعية، وفيها عدم اهتمام تجاه عنصر الوقت، الذى يعرف جيدا أنه ضاغط على خلايا أعصاب هشام وذرات تفكيره: على أية حال يمكنك أن تستغل الفترة فى متابعة علاج أبيك، ولا تحمل هما بشأن مصاريف الفندق، فسأحاول أن أجرى لك تخفيضا اضافيا آخر.. ويا سيدي.. إذا احتجت شيئا فأنا موجود!! 
وأنهى رأفت لعثمة هشام وارتباكه أمام الفخ الذى يضعه له بعناية، بأن دفع الحساب، مع بقشيش كبير، بعد أن حرص على أن يخرج حافظته، وبها قدر كبير من النقود أمام هشام الذى رآها وثيقة اعتماد مادية لقدرات رأفت الكبيرة، وان فعله سوف يكون على قدر كلامه!!. 
ووضع رأفت يده على كتف هشام وخرجا يتمشيان حتى رويال لانكستر. 
***


لحظة السقوط
تعددت لقاءات هشام مع رأفت، حتى أخذت إيقاعا منتظما ويوميا، مرة على إفطار ومرة على كأس.. ومرة على فنجان قهوة، وفى كل مرة يبدى رأفت اهتماما مبالغا فيه بحالة والد هشام الصحية، حتى لم يعد رأفت بالنسبة لهشام مجرد منقذ أرسلته عناية السماء، ولكنه أصبح الشقيق الذى يقاسمه آلامه وقلقه وظروفه القاسية!. 
مرة على إفطار ومرة على كأس.. ومرة على فنجان قهوة.. تعددت اللقاءات بين الشابين. 
***

وحين هل الربيع، كان هشام يدرك أن اللحظة التى طال انتظارها مع رجل الأعمال صديق رأفت وشيكة، وسأل رأفت عن موعد وصوله، وكاد يطير فرحا حين أجابه لقد وصل بالأمس، وانهما سيلتقيان فى الثامنة مساء الغد. 
وفى الثامنة من يوم 16 مايو كان هشام يقف فى بهو الفندق، حليق الوجه، مرتديا حلة زرقاء داكنة، ورباط عنق يتمازج فيه اللونان الرمادى والنبيتي، فى انتظار صديقه رأفت لكى يذهبا معا للقاء رجل الأعمال.. ولما طال الوقت سأل موظفة الاستقبال، فأخبرته بأن رأفت ترك رسالة له، فتحها هشام ليقرأ السطر التالي: آسف لعدم حضورى فى الموعد.. لدى عمل فى بارك ستريت.. وسوف أذهب بعده ـمباشرةـ لانتظارك فى كازينو البلاى بوى حيث سنلتقى بصاحبنا.. معذرة رأفت. 
كان اسم البلاى بوى يعنى عشرات الصور والأخيلة المثيرة بالنسبة لشاب مثل هشام 31 عاما وقادم من مجتمع كان حتى هذا الوقت منغلقا إلى حد كبير. 
كان فى حد ذاته مجرد بداية سلسلة انبهارات قصدوا أن تسيطر على هشام وتفكيره. 
كانت البنات العاريات، وفيشات القمار، والمجلة التى تحمل نفس اسم الكازينو، هى المعانى التى استدعاها هشام إلى رأسه تلقائيا حين قرأ اسم البلاى بوى فى الرسالة التى تركها له رأفت، والمؤكد أن اختيار ملهى البلاى بوى لأول لقاء بين هشام ورجل الأعمال، كان اختيارا مقصودا لإبهاره والتأثير عليه. 
ركب هشام تاكسيا إلى بارك لين، ووصل إلى بوابة الكازينو، الذى يتكون من خمسة طوابق، الأرضى به بهو استقبال كبير، وبينهما الطوابق الأربعة المخصصة للعب القمار بأنواعه. 
وعندما لم يجد هشام صديقه، لم يستطع أن يمسك نفسه، ويواصل الانتظار، ودخل إلى ساحة الاستقبال، حيث أخبره العاملون بأن دخول هذا الكازينو لا يحتاج إلى بطاقة عضوية، ولكنه يحتاج إلى ملء استمارة دخول فى كل مرة يأتى فيها الشخص إليه.. وبالطبع مرة أخرى ـ فإن اختيار هذا الكازينو بالذات، من قبل رأفت وصديقه رجل الأعمال لم يجيء من فراغ، بل كان مخططا له، لأن الكازينوهات الأخرى لها سجلات يفيد فيها عدد مرات المترددين عليها، وهذا ما لا يريده رأفت!.. 
المهم أن هشام ملأ الاستمارة على عتبات باب نادى القمار الشهير، والتى كانت تبدو كعتبات طريق جديد وساحة مجهولة يوشك أن يدلف إليها. 
وفى الداخل، راح هشام يتجول بعينيه داخل صالات القمار والمطاعم المزدحمة التى تقدم أفخر أنواع الأطعمة والمشروبات والمناضد المتناثرة فى الصالات ذات الأنوار الخافتة.. وراح يتأمل ـفى نشوة فوارةـ المضيفات اللاتى يرتدين ملابس الأرنب المشهورة ـرمز البلاى بوى وآذان الأرانب تبدو من فوق رءوسهن وقطعة الفراء المستديرة ـالتى تمثل ذيل الأرنب تعلو الأرداف والسيقان عارية، إلا من جوارب على شكل شبكة موشاة من خيوط سوداء وذهبية. 
واتسعت حدقتا عينيه وهو يرى أثرياء المنطقة يخسرون أمامه فى دور من أدوار الروليت - ووسط هذا العالم السحرى الأسطورى - آلاف الجنيهات الاسترلينية، وهم يضحكون ويشربون، ولا تهتز رموشهم أو جفونهم. 
وفى صالة البلاك جاك، حيث تطير مئات من الجنيهات الاسترلينية وتتبخر فى الهواء.. فوجيء هشام بيد تربت على كتفه برفق، وتوقظه من استرسالاته وخيالاته، والتفت خلفه، ليجد صديقه رأفت الذى همس فى أذنه: آسف تأخرت لدقائق.. الرجل ينتظرنا فى المطعم. 
***

وهبط الرفيقان على السلم إلى أحد مطاعم الكازينو، وفى ركن بعيد، على احدى المناضد كان شخص فى العقد الخامس من عمره يجلس فى ضوء خافت، لم يظهر ملامحه بشكل كامل. 
تقدم رأفت إليه محييا، ومقدما هشام إليه، بعبارة دالة تقول كلماتها تستطيع أن تعتمد عليه فى كل شيء، ثم وجه كلامه إلى هشام قائلا: أقدم لك صديقا عزيا.. ادوارد كوشير رجل أعمال انجليزيا من أصل عربى لبناني. 
ووسط التصافح والتمتمة بعبارات المجاملة التقليدية، كانت نظرات كوشير تكتسح هشام من قمة رأسه إلى أخمص قدمه. 
جلس الثلاثة على المائدة حيث وافق كوشير ورأفت على الشراب الذى طلبه هشام دون تردد.. فى مجاملة مقصودة، وبينما راح الثلاثة يحتسون كئوس الويسكى بلاك ليبل، لم يتوقف رأفت عن الثرثرة فى مرح مفتعل، ومحاولة لتذكير هشام ببعض النكات السياسية التى كانت مصر تعج بها فى هذا الوقت، وتسخر من الرئيس السادات وعدم قدرته على الحرب، كما تسخر من الجيش المصرى وهزيمته المروعة فى 1967!! 
كان هشام يشترك فى الضحك من كل ما يحكيه رأفت، فقد كان على استعداد للمجاملة إلى آخر مدي، ولو بوطنه، أو برموز هذا الوطن. 
وكان رأفت ينظر من آن لآخر إلى كوشير ليريه أن الضحية وصلت إلى أقصى درجات الاستعداد للارتماء فى أى حضن، والاستسلام لأى ضغط. 
وبعد أن تجرع رأفت ماتبقى من خمر فى كأسه دفعة واحدة، استأذن فى القيام، متعللا بأنه يريد أن يصرف ما معه من جنيهات فى صالة القمار.. وغمز بطرف عينه إلى كوشير الذى ابتسم ابتسامة لزجة لا مشاعر فيها!! 
كان ادوارد كوشير لطيفا وناعما جدا فى حديثه إلى هشام الذى راح يعلق على بعض مفردات اللهجة العربية الشامية التى يتحدث بها كوشير. 
قال ادوارد انه يعمل قومسيونجيا، ووكيلا لعدة شركات، وهو يريد التعامل مع السوق المصرية، ولكن تنقصه معلومات كثيرة عن أحوال التجارة فى مصر، وما اذا كان من الممكن استثمار أموال فى مصر أم لا.. 
وكان هشام يحاول ـ رغم عدم خبرته فى مسائل الاستثمار والاقتصاد أن يشترك فى الحديث، بأية كلمات، يحاول ـ من خلالهاـ أن يثبت لكوشير انه متحرك وشاطر. 
وبينما كان الرجلان يحتسيان القهوة بعد العشاء، راح هشام يحاول الاستزادة عن تفاصيل العمل، وادوارد يحاوره ولا يعطيه اجابة كاملة تريحه، وما أن فرغا من احتساء القهوة، حتى طلب ادوارد من هشام أن يلقاه فى اليوم التالى فى الموعد نفسه ولكن فى فندق سيلفريدج. 
ودهش هشام جدا، حين طلب منه ادوارد ألا يخبر رأفت بأى شيء عن موعد لقائهما المقبل، لأنه ـعلى حد تعبيرهـ رجل طماع وسيحاول أن يحشر نفسه فى هذا البيزنيس الجديد دون داع. 
وعلى الرغم من دهشة هشام إلا أنه وافق.. فقد بدأ ومنذ شهور رحلة الموافقة.. يوافق على أى شيء.. يوافق على كل شيء.. وهو فى هذه الليلة باع صديقه.. أو ما يتصور أنه صديقه.. فى طريقه لأن يبيع أشياء أخرى أعز وأثمن. 
***


البداية الفعلية
اليوم 17 مايو 1972 
الساعة: السابعة وخمس وأربعون دقيقة. 
المكان: فندق سيلفريدج الملتصق بالمتجر الشهير الذى يذهب إليه المقتدرون ـ من وجهة نظر هشامـ فى مصر للشراء والتسوق وعمر هذا الفندق ـ وقتها ـ سبعون عاما. 
جاء هشام مبكرا ربع ساعة، حتى يتجول داخل الفندق الشهير، وتمشى من عند الساعة الشهيرة التى تعلو مدخل المتجر الرئيسى فى شارع اكسفورد، ثم انعطف يمينا ليدخل إلى ديوك استريت، الشارع العريق الذى تأسس عام 1728 وأشهر مبانيه ـ تاريخياـ ووتر هاوس وهو ـالآنـ الكنيسة الكندية. 
دخل هشام من باب الفندق الدوار ذى اللون البنى الغامق، حيث كان يقف أمامه حارس يرتدى حلة خضراء غامقة وقبعة عالية من نفس اللون، صديرية حمراء، أطرافها خيوط من القصب.. وفى وسط المدخل منضدة مستديرة من الماهوجنى الأنتك، تعلوها آنية زهور شينواه كبيرة تزدحم بعيدان باقة ضخمة من زهور الداليا البيضاء. 
إلى اليسار حامل خشبى بنى قديم، رصت عليه الصحف البريطانية الشهيرة ومنضدة خشبية غامقة يقف خلفها موظفا الاستقبال، وبنتان للاستعلامات والمحاسبة، تعلوها ساعة عتيقة على يمينها ويسارها لوحتان زيتيتان عريقتان، احداهما للورد أبرستون ترجع إلى عام 1715، والأخرى لليدى أبرستون فى عام 1760، وليس للشخصين أى ارتباط بفندق سيلفريدج ولكن تم اقتناؤهما لقيمتهما الأثرية. 
وكان تسكع هشام داخل الفندق قد أتاح له قدرا لا بأس به من الفرجة على مفرداته وأثاثه، وجوه المميز الفريد، حيث تتناثر على امتداد صالة الاستقبال بضعة مقاعد جلدية زيتى غامق وإلى جوارها مناضد أنتيك وأباجورات شينواه، وإلى اليمين صعد هشام سلما كبيرا بدرابزين نحاسي، وجوانبه مشغولة بالفير فورجيه الأسود، ترصعه بادجات نحاسية كبيرة عليها حرف S الذى يرمز لاسم المحل. 
السلم أوصله إلى مدخل صغير تتوسطه نجفة أثرية عظيمة، وإلى اليمين مدخل أوركاردتيراس، وهو مطعم جريل يطل على أوركارد ستريت، فيه تناثرت مناضد مربعة ذات مفارش خضراء، تعطى إحساسا كبيرا بالبهجة، وسط الجو المتزن الوقور الذى يوحى به اختيار الأثاث الستيل والأنتيكة فى بقية أرجاء الفندق.
وعلى احدى هذه المناضد كان اللقاء الثانى بين هشام وادوارد. 
عندما صافح ادوارد ضحيته ثبت نظراته إلى عينى هشام، الذى تعلق به فى نظرة رجاء طويلة، وأبدى ترحيبا مبالغا فيه. 
وعلى عشاء فاخر من الأسماك والقشريات البحرية، مصحوبا بزجاجة نبيذ فرنسى شابليه أبيض فاخر دار الحديث حول تفاصيل العمل، الذى كان هشام يتوق إليه. 
قال ادوارد لهشام: أنا وكيل شركة بلجيكية للجرارات الزراعية، وهى تريد أن تقيم لها مصنعا فى القاهرة، وقد تقدمت بطلب بهذا الخصوص بالفعل، ولم أحصل بعد على الرد وسوف تكون أنت وكيل هذه الشركة فى القاهرة، وسوف نفتح لك مكتبا لإدارة أعمالها.. ولكن فى البداية نريد منك معلومات عن أسعار الأراضى فى مصر، وكم سيتكلف شراء أرض لإقامة مصنع للجرارات. 
كان هشام يريد أى عمل والسلام، ومن ثم فقد أجاب على كل أسئلة ادوارد، بما يفيد أنه يقدر على تلبية احتياجاته جميعا. 
أما ادوارد ـ وطبقا لتحليلات الخبراءـ فقد كان يود اختبار قدرة هشام أولا على جمع معلومات عادية، وقدراته على تسهيل بعض الاجراءات فى مصر وذلك قبل أن يدخل معه فى تفاصيل أكثر جدية، عن هذا العمل، الذى كان مازال يبدو غامضا. 
انتهى اللقاء الثانى بعد ساعات ثلاث أمضياها فى الأكل والأنخاب المرحة، والمحاولات المستعرة من هشام أن يثبت أنه على قدر الشغل، ويوفى بمتطلباته. 
وجاء اللقاء الثالث بعد ذلك فى ليلة الثامن والعشرين من مايو، فى الفندق نفسه.. اذ كان ادوارد مستمرا فى تشويق هشام للعمل، ومن ثم للمال، حتى يضمن انهياره الكامل، وفى الوقت نفسه استغل ادوارد الفترة الزمنية الفاصلة بين اللقاءين، لاختبار قدرة هشام على الكتمان، حيث ظل رأفت يلاحق هشام ويسأله ما اذا كان يرى ادوارد أو يتصل به، بينما هشام ينكر تماما، مرة ومرتين، وهو فائق أو وهو سكران.. حتى تأكد ادوارد تماما من أن هشام ينفذ تعليماته بحذافيرها، حتى وهو لا يعلم طبيعة الوعاء الذى تصب فيه هذه التعليمات. 
***

الموعد التالى كان فى مطعم فليدجر فى فندق سيلفريدج.. 
وحين وصل هشام إلى الفندق كان متعجلا، عصبيا، يريد أن يحضر ادوارد، وأن يكلفه بعمل محدد، وأن يعطيه، ولو مقدما من أجره عن هذا العمل. 
اخترق صالون الفندق، ولم ينتبه إلى كل التفاصيل من حوله، أو إلى الحركة التى كان الصالون يعج بها.. ومنظر أكياس سيلفريدج التقليدية الصفراء وقد تركها رواد الفندق ونزلاؤه إلى جوار المقاعد، والفوتيهات المذهبة، ذات الألوان الزيتى الغامق والنبيتي، والتى ألقيت عليها حشيات غامقة اللون برتقالية، وتيركواز، وكل منضدة تتوسط منظومة من المقاعد والأرائك، عليها فازة بيضاء صغيرة فيها زهرة قرنفل واحدة، وفى أركان الصالون نباتات ظل تتدلى من أوان حجرية غامقة. 
صعد هشام ـ فى عجالة ـ عدة درجات سلم فى نهاية هذا الصالون حتى كاد يسقط متعثرا من فرط اندفاعه، ودخل إلى مطعم فليدجر العتيق على اليسار، حيث تربض كراسيه الفخيمة التى يشبه كل منها عرشا ملكيا صغيرا، بينما غطى الجدران ورق حائط منقوش داكن، انجليزى تقليدي. 
وطوال العشاء الذى كره هشام اجراءاته الطويلة المتمهلة كان ادوارد يسرب إليه كلمة، ثم يتركه يحترق فى فضول ولهف.. ثم كلمة أخري.. وهكذا حتى ما كاد العشاء ا ن يقترب من نهايته حتى كان هشام قد وصل إلى حالة من اليأس الشديد، فاذا بادوارد يبادره برغبته فى أن يؤجر للشركة مقرا فى القاهرة، وأن يمده بخطوط تليفونية. 
ثم أومأ: نحن مستعدون لتقديم رشاوى لتركيب هذه الخطوط التليفونية. 
وبالطبع كان هشام يعرف صعوبة تركيب مثل هذه الخطوط ـفى ذلك الوقتـ وسط الأزمة الخانقة التى شهدتها تليفونات مصر فى السبعينيات، ولكنه أبدى استعداده للإنجاز ليظهر شطارته، ويستعجل التوظيف. 
ولكن هل صحيح أن شركة بلجيكية تقدمت لإقامة مصنع للجرارات الزراعية فى مصر؟
الجواب: كانت الشركة الوحيدة التى أقامت مصنعا للجرارات الزراعية فى مصر فى ذلك الوقت، هى شركة ماجيروس المجرية، فى إطار خطط التصنيع فى مصنع شركة النصر لصناعة السيارات. 
ولا شيء أكثر من ذلك. 
الأمر كله ـ اذن ـ كان مجرد بالونة اختبار لصديقنا هشام محجوب فى جمع المعلومات، حتى لو كان بسيطا فى البداية، مثل: معلومات أسعار الأراضي، أو اختبار قدرته فى الحركة، مثل رشوة أشخاص حكوميين لتركيب خطوط للتليفون وسط ذروة أزمتها. 
ثم أن هشام بعد أن يمر فى هذا الاختبار ويؤسس المكتب، سوف يمتلك قاعدة للتحرك والاتصال فى مصر تمكنه من جمع المعلومات حول أمور أخري، غير تلك التى خطط ادوارد لها من خلال وظيفته فى مصر للطيران!!. 
وحين كان ادوارد ينهى هذا اللقاء ويعد هشام بموعد آخر، كان هشام يتوسل إليه فى ضراعة حقيقية أن يكلفه بالعمل مباشرة وألا يجعله ينتظر أكثر من ذلك.. وهنا ابتسم ادوارد وأكد له أنه سيكلفه بالعمل فى المرة القادمة، بعد أن يتأكد من كفاءته واخلاصه، وقد خطط لأن يجعل منه شيئا كبيرا بالفعل!!. 
على أية حال فقد كان الموعد الرابع والأخير بعد يومين، بما لم يرهق هشام فى الانتظار كثيرا، وعلى الرغم من أن الموضوع حتى هذه المرحلة لم يتجاوز الحدود التى تبدو طبيعية، فقد كان هشام يتلفت حوله أثناء حديث ادوارد الهامس إليه فى صالون الفندق، بشكل تلقائي، اذ كان يشعر أن العاملين بالفندق الذين يتحركون حوله يسترقون السمع، وكذلك النادلات اللاتى يرتدين جونلات سوداء، وجاكيتات من اللون، نفسه وبلوزات بيضاء وبابيون أسود، والبنات اللاتى يقمن بالتنظيف مرتديات أثوابا خضراء ومرايل بيضاء وهن منهمكات فى ازالة كل ذرة تراب تكون قد علقت بأى شيء، والحمالون يرتدون حللا زيتية غامقة يزينها القصب، وتحتها قمصان بيضاء وروابط عنق سوداء. 
جميعا كان هشام ينظر إليهم باسترابة.
لقد كان هناك من يراقبه فعلا.. ولكن ليس هؤلاء..
ففى ركن قصى من الصالون كان أحد شهود المخابرات المصرية يربض مستوعبا كل حركة وسكنة، متظاهرا بتقليب الشاى فى فنجان من الطاقم الصينى التقليدى للفندق من نوع دادسون.
فى هذه الليلة كشف ادوارد عن جانب من أنيابه، عندما طلب من هشام أن يطير إلى القاهرة لكى يجمع المعلومات المطلوبة، ويعود بها إليه فى لندن خلال شهرين. 
قال ادوارد لهشام: لقد عيناك بمرتب شهرى قدره 600 دولار وإذا قدمت لنا المعلومات المطلوبة سوف نرفع مرتبك.. ثم سلمه 600 دولارا بإيصال بدون تاريخ محدد وقعه هشام وأعطاه رقم تليفون للاتصال به عند عودته من القاهرة خلال شهرين.
أصاخ هشام السمع لصوت وقع حذائه على أرضية الرصيف، وهو يأخذ طريقه إلى فندق رويال لانكستر، زفر زفرة ارتياح بعد أن أحس أنه على وشك انطلاقة كبيرة، ولكنه لم يكن يدرى لماذا أحس بهاجس الملاحقة، فراح يتلفت من فوق كتفه بين الحين والآخر، بينما نسمة ربيعية لندنية تعبث بشعره!..



الخميس، 15 أغسطس 2019

الأهرام

عرابي.. الصعود والسقوط

عرابي.. الصعود والسقوط
بقلم : د. لطيفة سالم
الأهرام الثلاثاء 17 سبتمبر 2002م - 10 رجب 1423هـ

فى يوم 21 سبتمبر 1911 وارى ثرى مصر جثمان أحمد عرابى زعيم الثورة المصرية التى عرفت باسمه، بعد ان سجل له التاريخ انه حرك أول ثورة دستورية فى المنطقة. اشترك فيها المصريون على اختلاف انتماء طبقاتهم الاجتماعية، ورغم ما نسب اليها سواء من الذين طعنوها أم الذين حكموا عليها بعد اخفاقها، فإنها تمكنت من أن تكون لها المكانة فى قائمة الثورات عبر تاريخ مصر الحديث والمعاصر، ولم تكن حركة تمرد عسكري، أو كما أطلق عليها هوجة عرابي، وانما هى ثورة بمفهومها الشامل، وقد اعترف بذلك اعداؤها، وضح هذا فيما ذكره جرانفيل وزير الخارجية الانجليزى وكرومر المعتمد الانجليزى فى مصر اثناء فترة الاحتلال. 
كان زعيم هذه الثورة هو أحمد عرابي، ذلك الفلاح ابن شيخ البلد الذى ولد فى 31 مارس 1841 فى قرية هرية رزنة بالشرقية، وتعلم القراءة والكتابة، وتدرب على الأعمال الحسابية، ودرس بالأزهر ثم التحق بالجندية بناء على ماقرره حاكم مصر سعيد باشا بتجنيد ابناء العمد والمشايخ، وكان ذلك الأمر فاتحة جديدة لدخول المصريين الجيش وتدرجهم فى الرتب العسكرية. ونظرا لكفاءة عرابى وشخصيته الجذابة وهى التى صنعت كاريزميته فيما بعد، صعد سلم الترقية بسرعة ملحوظة حتى لقد وصل الى رتبة قائمقام ـ عقيد ـ فى سبتمبر 1860. ومما لاشك فيه ان تقربه من سعيد باشا بعد ان اصبح اركان حربه ومرافقه قد أتاح له فرصة التميز، ومضى فى تطلعاته، وتعمق فى نفسه وترسب فى أعماقه صورة البطل، تلك التى لم تبرح مخيلته وتمثلت فى شخصية نابليون بونابرت. 

وراحت المعاناة تزحف فى طريقها اليه إبان فترة حكم الخديو إسماعيل، سواء أكانت على المستوى الشخصي، إذ ظل على رتبته لمدة تسعة عشر عاما ـ حيث لم يكن إسماعيل نصيرا للضباط الفلاحين، بالإضافة الى اهانات الضباط الشراكسة ـ أم على المستوى العام الذى تمثل فيما وصلت اليه مصر من أوتقراطية حاكم، وفساد اداري، وتدهور مالي، واقتصاد مرهون، وظلم وفوارق اجتماعية وتدخل اجنبي. وقد هيأت حملة الحبشة (1857 / 1876) التى اشترك فيها عرابى الظروف التى دفعته مع غيره من الضباط المصريين للتفكير فيما آلت اليه الأوضاع فى مصر من تدهور. 
وبدأت الخطوات العملية تسير على الدرب، فتأسست جمعية سرية عام 1876 على يد الضابط على الروبي، وانضم اليها الضباط الذين رأوا انه لابد من الاصلاح، وسرعان ما أصبح عرابى رئيسا لها، وكان له الدور المؤثر والفعال فيها حتى لقد تمكن من أن يضم اليها عناصر غير عسكرية، وانجلت شخصيته، واتسمت خطبه بالحماسة التى تحولت الى ثورية تنقد المجتمع وتهاجم الأحوال المتردية القائمة، وما لبث ان توحدت جهود هذه الجمعية مع جمعية حلوان، وتمخضت عن مولد ما عرف باسم الحزب الوطني. 

ومضى الجهر بالقول، وكثرت الشكوى بعد ان انعكس سوء الأحوال المالية على المصريين، وعانى الجيش بعد تسريح الأعداد منه، ووقعت حادثة تمرد الضباط فى 18 فبراير 1879، واتهم عرابى بأن له يدا فى تدبيرها، وأنزل العقاب عليه، وشددت القبضة على الجيش بعد ان تولى عثمان رفقى نظارة ـ وزارة ـ الجهادية، وواصل اجراءات القمع التى أججت الموقف مما أثار الكراهية فى نفوس الضباط المصريين وعلى رأسهم عرابى الذى تمكن من ان يجند الأفكار من اجل الاطاحة برموز الاستبداد، وراح يعقد الاجتماعات فى منزله الذى أصبح بمثابة بيت للأمة، اذ توافدت عليه الوفود لوضع حد لتصرفات المسئولين الجائرة. 
وقرر الضباط ضرورة العمل لإقصاء الظلم عنهم، فقدموا تقريرا لرئيس النظار يهاجمون فيه القادة الشراكسة، فما كان من النظارة الا ان دبرت خطتها، وقبض على عرابى ورفاقه واعتقلوا فى قصر النيل فى أول فبراير 1881، ولكنهم تخلصوا من هذا الاعتقال وزحفوا الى ساحة عابدين التى غصت بالجماهير، وطلب عرابى من الخديو توفيق عزل ناظر الجهادية، فأجيب وتولى النظارة البارودى صديق عرابي، وكان ذلك بداية لانطلاق الثورة المصرية. 

ونمت شهرة عرابى سريعا بين المصريين، ونشط فى الاعداد للخطوات القادمة، فى الوقت الذى رأى فيه ضرورة احباط المؤامرات عن طريق اسقاط نظارة رياض ذات اليد المستبدة، أيضا وجد انه لابد من الالتحام بين العسكريين وأصحاب المكانة الاجتماعية المرموقة، ومن ثم كان اللقاء مع شريف باشا، وسلطان باشا وامثالهما بهدف اقامة نظام دستوري، وأيقن ان الطريق الموصل لذلك هو الثورة، ووجد مساندة المثقفين، ومن رموزهم محمد عبده وعبدالله النديم، وكانت الصحافة إحدى الأدوات التى اعتمد عليها، حيث بصرت الناس بأبعاد النظام الجديد، كذلك المنشورات الثورية التى اتسع توزيعها وغدت سهاما مصوبة ضد النظام القائم وحثت على اسقاطه. 
وفى 9 سبتمبر 1881، ومرة أخرى فى ساحة عابدين، يعرض عرابى ـ بعد أن تم جمع التوكيلات لإنابته عن الأمة ـ المطالب امام توفيق، وتمثلت فى اسقاط النظارة المستبدة، وتشكيل مجلس نواب على النسق الأوروبي، وزيادة عدد الجيش. ووفقا للتخطيط، شكل شريف باشا النظارة الأولى للثورة. وصار عرابى البطل والممثل الصادق للمصريين، ودوت الفرحة فى كل مكان، وفاضت المشاعر بالحب والاخلاص لزعيم الأمة، وأصبحت الكلمات المعبرة عن الحرية والمساواة والاخاء تتداول بين الناس، وسرت الطمأنينة الى النفوس بذلك الاشراق الجديد، وعمت احتفالات النصر فى كل مكان على أرض مصر. 

وتشكل مجلس النواب، وتوجست بريطانيا وفرنسا خيفة مما يحدث فى البلاد لتعارضه مع مصالحهما الامبريالية، ووجدا فى توفيق المعاونة، وعليه وضعت العراقيل امام مجلس النواب، وانتهى الأمر باستقالة النظارة، وذلك فى الوقت الذى كان فيه عرابى ورفاقه يستعدون لما هو آت، بعد ان غدا المناخ مهيئا لتأييدهم، وبعد ان مثل عرابى الرمز للانتصار والكرامة والوطنية. 
وأصبح نداء الثورة امرا واقعا، ووضح تماما مع تولى النظارة الثانية للثورة التى ترأسها البارودي، وكان عرابى ناظرا للجهادية فيها، وترددت المبادئ التى تمثلت فى خديو يملك ولا يحكم، وبرلمان منتخب، ونظام ادارى عادل، واقتصاد متوازن، وتخفيف الأعباء عن كاهل الشعب، واقصاء التدخل الأجنبي، وبعبارة مختصرة ان تكون مصر للمصريين وانتشرت هذه المبادي، وأخذت الأبعاد الاجتماعية التى كان المصريون فى شوق إليها ولهفة عليها تتردد بين الناس، خاصة ما يتعلق بالفوارق الشاسعة بين علية القوم وأدناهم. ومما يذكر انه لم يكن بعيدا عن ذهن عرابى ورفاقه ان تتحول مصر الى جمهورية. 

ووضع دستور الثورة الذى انصب على شكل الحكم، وتحديد العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، واتسم بالاعتدال لمراعاة الظروف القائمة. وعندما مارس مجلس النواب عمله، عادت بريطانيا وفرنسا وتحركتا، واشتد الصراع الذى استقالت النظارة على أثره، ومع هذا كان من الصعب اقصاء عرابى عن السلطة بعد ما وصل اليه من علو ومجد، وهنا رأت الدولتان حتمية اجهاض الثورة، وجاءت حادثة الاسكندرية فى 11 يونيو 1882 لتكون المؤشر للعدوات الانجليزى الذى ما لبث ان وقع بعد شهر واحد. 

وراح عرابى يعد العدة لمقاومة الانجليز، فى الوقت الذى جرى فيه التفكير فى العصف بالخديوية لموقفها العدائى من الثورة، ولكن لم تنجح الخطة. وبدأت المواجهة الحربية، وانتصر المصريون على المعتدين فى الميدان الغربي، ولكنهم انهزموا فى الميدان الشرقى لأكثر من سبب : الأول ـ مسألة قناة السويس وتأكيد دليسبس حيادها بعد ان أكدته له الشركة، والثانى ـ عنصر الخيانة الذى سرى داخل نفوس الضعفاء، والثالث ـ الأرض الخصبة التى حرثها الجواسيس جيدا واستغلوها، والرابع ـ انحراف بعض العسكريين، والخامس ـ منشور عصيان عرابى الذى أصدره السلطان العثماني، والسادس ـ تلك المآخذ التى أخذت على عرابي، فقد اعتمد على الشعبية المطلقة التى غمرته، وبالتالى أعطى الثقة والأمان لكل من انضم اليه، أيضا، فإنه لم يكن على دراسية كافية بفن السياسة وممارستها وبالمخططات الخارجية، اذ اعتقد ان التهديد لن يخرج الى حيز التنفيذ، كذلك الثقة المتناهية فى النفس وفى قدرة الجيش المصرى على مواجهة الهجوم الانجليزي، والايمان بأن الانجليز كالسمك الذى يهلك اذا خرج من البحر، كما انه لم يحتل موقعه وقت الحرب فى الخطوط الأمامية كقائد حربى يدير دفة
المعركة، ولكنه اكتفى بالاشتراك المعنوي، حيث اعتقد ان وجوده وتنقلاته بين المعسكرات يكون له تأثير أقوى على سير المعارك، وبطبيعة الحال كان للمسحة الدينية التى أضفاها على خطواته الأثر السلبي، فانساق وراء تلك الظواهر التى تمثلت فى حلقات الذكر، نظرا للاعتقاد السائد وقتها فى أنها تشكل جزءا من النصر على الأعداء. 

واحتل الانجليز مصر، ولم تكن الثورة العرابية الا الذريعة التى اعتمدوا عليها فى تنفيذ مخططهم الذى رسموه منذ سنوات كثيرة قبل الثورة، وأذعن عرابى واستسلم للقائد الانجليزي. وانعقدت محاكمات الثوار، ونظرا لاعتبارات وجدتها لندن، حكم على عرابى ورفاقه بالنفى المؤبد، ووقع الاختيار على جزيرة سيلان ـ سيريلانكا ـ ووصلوا إليها فى 10 يناير 1883. ولم تغفل عيون المسئولين الانجليز عن مراقبتهم، ومما يذكر ان عرابى لم يكن من المشيدين ببريطانيا فى ذلك الوقت، كما يردد البعض حيث سجلت خطاباته بأنه بين ثناياها النقد لها، ولم تتحقق السياسة البريطانية بشأن جعله فردا عاديا، اذ عده سكان سيلان وما يجاورها رمزا للوطنية ومدافعا عن الاسلام، خاصة اذا وضعنا فى الاعتبار ما كان يردده بشأن نسبه الشريف، وكثرة توافد الزوار على بيته، لدرجة ان مسلمى الهند كانوا يمرون عليه اثناء رحلتهم للحج، كذلك تدفقت المراسلات عليه من بعض بلدان جنوب شرق آسيا، وحملت بين طياتها التقدير والاعتزاز بشخصه. 
وعانى عرابى فى المنفى سواء من الضيق المالى رغم حصوله على معاش اكبر من رفاقه ام لما حدث من مشاحنات بينهم، وقد حاول ان ينزوى عنهم خاصة بعد زواجه، وان يتفرغ لإعطاء الدروس ذات الطابع الديني. ولما كانت الرغبة تلح عليه فى العودة الى مصر، جاء التودد والتظلم للمسئولين الانجليز بغية طلب العفو والمغفرة، وبعد محاولات مضنية صدر الأمر الخديوى فى 24 مايو 1901 بعودة عرابى واحد رفاقه الى مصر، وحينما أذيع الخبر فى الجزيرة، أقيمت له الاحتفالات التى عبرت عن حب السيلانيين له، كما ودعوه وداعا شعبيا. 

ومن المسلم به ان سنوات الغربة قد تركت آثارها السيئة فى نفسية عرابي، بالإضافة الى تلك الرواسب التى ارتبطت بهزيمة الثورة مما أثر على شخصيته، ففى نهاية رحلة عودته، وعندما وصل الى السويس كانت تصريحاته التى أدلى بها لصحيفة المقطم، وأشاد فيها ببريطانيا الأداة التى عرضته للنقد وسببت له المتاعب، ورغم ذلك فقد استقبله عدد من الجمهور حين دخوله الى القاهرة فى 30 سبتمبر 1901. وصدرت التعليمات برصد تحركاته، ويسجل احد التقارير الانجليزية انه منذ عودته لم يخل بيته من الزوار، وخاصة الفلاحين وبعضا من الطبقة الوسطى والباشوات، وأنه عندما يذهب ليؤدى الصلاة فى مسجد السيدة زينب يمتلئ عن آخره وان الكثيرين يحضرون لتحيته ويقبلون يده. ولكن لم يستمر هذا الأمر طويلا اذا اثمرت حملات صحافة القصر والحزب الوطني، وذلك بعد أن وجهت له الاتهامات بأنه السبب فى الاحتلال الانجليزى لمصر، وتمكنت وبسرعة من العمل على انفضاض الناس من حوله. وعاش ما تبقى من عمره وحيدا يستجدى الخديوى وحكومته تارة، والملك الانجليزى وحكومته تارة اخرى من اجل منحه حقوقه المدنية ورد املاكه ورفع معاشه، ولكن لم يستجب لأى من مطالبه. وما لبثت ان وافته المنية فى 21 سبتمبر 1911، وكان وداعه لمثواه الأخير محدودا ومتواضعا. ومما يحسب لثورة 23 يوليو 1952 انها عندما صادرت املاك اسرة محمد علي، أعادت املاك عرابى لورثته.