عفوًا.. الحسين سيد الشهداء
بقلم: عبد الله إمام
الجمهورية الخميس 13 ديسمبر 2001م - 28 رمضان 1422هـ
وقد رفض «الحسين بن على» كل المحاولات التي بذلت معه حتى يبايع «يزيد بن معاوية» بالملك أو الحكم بعد أبيه، وابتعادًا عن الضغوط التي مورست عليه، خرج من المدينة إلي مكة.. وكتب إليه أهل الكوفة من شيعة أبيه ومحبيه في إلحاح مستمر أن يذهب إليهم ليبايعوه... وكثر الإلحاح عليه حتى يُقال انه وصلت الدعوات التي جاءته حمل اثنين من الخيول، وكان من حوله يعرفون أن المؤامرات تحيط به، فهو أقوى من كل الترشيحات، والأكثر شعبية وتدينًا واستحقاقًا، فهو ابن على بن أبي طالب وابن فاطمة ابنة الرسول، وأكثر وعيًا وإدراكًا وتدينًا ولم تكن سلوكيات المرشح الآخر «يزيد» فوق مستوى الشبهات...
وبعث الحسين إلى الكوفة واحدًا من رجاله ليتعرف على الموقف، وتداعي الناس إلي هذا الرسول فبايعه ثمانية عشر ألفًا، وأرسل إلى الحسين مطمئنًا بأن هناك إجماعًا علي مبايعته...
خرج الحسين من مكة فى طريقه إلى الكوفة رغم التحذيرات بعضها طلب إليه أن يلغى الرحلة، أو يتجه نحو شيعته في اليمن، والبعض نصحه أنه إذا كان مصرًا علي الذهاب فعليه أن يتخفف ولا يصحب معه كل أسرته من الرجال والنساء والأطفال على نحو ما فعل.. والتقى به في الطريق وفد قادم من الكوفة فحددوا له الوضع بدقة «قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء»..
كان هو فى مقدمة الركب المتجه إلى الكوفة وأمامه العباس، ثم رفاقه، وقافلة الجمال تحمل هوادج النساء والأطفال، ثم الجمال والخيل تحمل الخيم، ومبعوثه قد قتل، ووصله النبأ وهو فى الطريق فتوقف وسأل عن اسم المكان الذى نزلوا به فقالوا «أنه كربلاء» فقال «كرب... وبلاء».
وحوصر الحسين وعائلته في الصحراء مع الحر الشديد حتى كادوا يموتون عطشًا وبينهم أطفال ونساء، وكان الحسين يصيح يا قوم.. ألا تعلمون من أنا.. قالوا أنت ابن رسول الله.. ففيم إذن تستحلون دمى.. كانت التعليمات واضحة ممن لا يرحم.. وفي اليوم العاشر.. ليلة عاشوراء.. وأحس الحسين بالمؤامرة التي دبرها له عبيد الله ابن زياد بن أبيه بعد أن جهز جيشًا من ثلاثة آلاف مقاتل، لا يستطيع الحسين أن يواجهه لا هو ولا أسرته ولا الذين أحبوهم فانضموا إليهم، فعرض على قائد الجيش - عمر بن سعد بن أبي وقاص - أحد ثلاثة حلول حتى لا تكون حربًا، ولتفادى سفك دماء المسلمين: إما أن يتركوه ليعود إلى مكة من حيث جاء، أو يسمحوا له بمواصلة المسيرة إلي أن يقابل يزيد ويتفاهم معه، أو يتركوه ليذهب إلى أى بلد إسلامي، ولكن القائد بعد تعليمات «ابن زياد» رفض الحلول الثلاثة، لقد أعدوا عدتهم للقضاء عليه.. واستفز هذا الموقف المتعنت بعض جنودهم، فتركوهم وانضموا إلي الحسين، الذى لم يكن له جيش.. كان «الحسين» مسالمًا حتي اللحظة الأخيرة، لا يُريد قتالا، ولولا الإلحاح عليه، لما غادر مكة ولظل مُقيما فيها مع أسرته أو لربما اتجه إلى مكان آخر.. ولكنها السياسة، فقد كان المطلوب لاستقرار يزيد بالولاية الجديدة، أن يقضى علي معارضيه الكبار والصغار، وكان الحسين على رأسهم بل انه أبرزهم... لذلك بدأت أغرب حرب سياسية - هي في حقيقتها ضد أسرة نبي الإسلام - حتى يقضى عليها باسم الحفاظ علي الإسلام، وحتي يتولى «يزيد» مسئولية حكم المسلمين..
ولا يستطيع أحد أن يبرر - في قواعد الدين - هذا المنطق المعوج.. لأن للسياسة أدوات أخرى وتلاعبات أخرى.. وكان.. ومازال أشدها انحدارا أن ترتدى ثياب الدين...
وهكذا بدأت هذه الحرب الغريبة، وكان الحُسين هدفًا للسيوف وأنصاره يبذلون وسعهم لحمايته، فهو هنا قائد ديني وقائد سياسي أيضًا، وكلما سقط منهم واحد سارع زميله إلي مكانه ليحمى الحسين حتى يستشهد، فيأتي الآخر لحمايته وهكذا، وفى مواجهة هذا الصمود وفي وحشية أحرق جيش يزيد الخيام التي تأوى النساء والأطفال.
وكان الحسين وصحابته يقاتلون وهم يُعانون من الجوع والعطش والرماح والسيوف تحيطهم من كل جانب، والقتل يتعدى الرجال إلي الأطفال والصبيان من آل بيت النبى، وسقط أهل وشيعة الحسين واحدًا بعد واحد، ولم يبق حوله غير ثلاثة يقاتلون ويتلقون الضرب عنه، ورأى ابن أخيه عبد الله بن الحسن رجلًا يضرب عمه بالسيف ليصيبه فأسرع إليه يا «ابن الخبيثة».. أتقتل عمى «وحاول الرجل قتل الغلام بسيفه فتلقى الضربة بيده فانقطعت وتعلقت بجلدها، فعانقه عمه يواسيه، وسقط الثلاثة الذين بقوا مع الحسين، وكان يحمل علي الذين عن يمينه فيتفرقون، ويشق الصفوف وحيدًا، وتحرج الخصوم من قتله، وأحب كل منهم أن يلقى وزره على غيره، فأمر أحد قادتهم الرماة أن يضربوه بالنبل من بعيد «ماذا تنتظرون بالرجل؟.. اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم» فاندفعوا نحوه، وضربه «زرعة بن شريك التميمي» علي يده اليسرى فقطعها، وضربه غيره على عاتقه فخر على وجهه، ثم جعل يقوم ويكبو، وهم يطعنونه بالرماح ويضربونه بالسيف حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، وبعد استشهاده وجد فيه ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة غير إصابات النبل والسهام، وأحصاها، بعضهم في ثيابه فإذا هي مائة وعشرون..
واستعجالا للمكافأة قطع أحدهم رأسه ليسلمها لعبيد الله بن زياد بن أبيه.. وكان قد طاف رجل ينادى الناس ويُعلن: «من جاء برأس فله ألف درهم»، ولما رجع ابن قطبة إلي منزله قالت له امرأته إن غلامين لجنا إلينا فهل لك أن تشرف بهما فتبعث بهما إلى أهلهما بالمدينة.. قال: نعم أرينهما، فلما رآهما ذبحهما وحمل رأسيهما إلي عبيد الله بن زياد فلم يعطه شيئًا، وقال: وددت أنه كان جاءنى بهما حيين فمننت بهما على أبى جعفر..
ولم يفلت من أهل الحسين والذين معه إلا خمسة، ولما قتل الحسين نهب وهو جثة هامدة، فأخذ سيفه القلانس، وأخذ سيفًا آخر له «جميع بن الخلق الأزدى»، وأخذ سراويله «بحر بن كعب التميمى وتركه مجردًا، وأخذ قطيفته «قيس بن الأشعت بن قيس الكندى»، فكان يقال له «قيس قطيفة»، وأخذ نعليه «الأسود بن خالد الأودى»، وأخذ عمامته «جابر بن يزيد»، وأخذ برنسه - وكان من خز - «مالك بن بشير الكندى».. وأخذ رجل من العراق حلى فاطمة بنت الحسين، وهو يبكي، فسألته عن سبب بكائه فقال أسلب «بنت رسول الله» ولا أبكي؟ فقالت: دعه، قال: إني أخاف أن يأخذه غيرى..
وقتل من أهل الكوفة من أصحابه ثمانية وثمانون رجلا هذا غير الجرحى، فصلي عليهم عمر بن سعد ودفنهم..
ويقول عباس محمود العقاد: «ان عمر بن سعد لم يخل من غلظة في الطبع علي غير ضرورة ولا استفزاز، فهو الذي ساق نساء الحسين بعد مقتلة علي طريق جثث القتلى التي لم تزل مطروحة بالعراء.. فصحن وقد لمحنها علي جانب الطريق صيحة أسالت الدمع من عيون رجاله، وهم من قاتل الحسين وذويه، هؤلاء وأمثالهم لا يُسمون ساسة ملك ولا تُسمى مهنتهم تدعيم سلطان، ولكنهم يُسمون جلادين متنمرين يطيعون ما في قلوبهم من غلظة وحقد، ويطيعون ما في أيديهم من أموال ووعود، وتسمى مهمتهم مذبحة طائشة لا يُبالى من يسفك فيها الدماء أي غرض يصيب، وأن يزيد عالج الأمر علاج الجلادين الذين لا يعرفون غير سفك الدماء، والذين يسفكون كل دم أجروا عليه»..
وهكذا كان ليزيد أعوان إذا بلغ أحدهم حده فى معونته فهو جلاد مبذول السيف والسوط في سبيل المال.. وكان للحسين أعوان إذا بلغ أحدهم حدة في معونته فهو شهيد يبذل الدنيا كلها في سبيل الروح.. وهي إذن حرب جلادين وشهداء»...
ويقول طه حسين أنها: «منظومة من القتلة.. وهؤلاء لا يمكن أن يكونوا أمراء للمؤمنين في دين الإسلام».
وقد اتفق المؤرخون على أن جسد الحسين دُفِن فى كربلاء حيث استشهد، أما الرأس التي أرسلت إلي يزيد بن معاوية والتي ألقاها أمامه، وظل يحركها بقضيب السلطة في يده حتى قال له أحد الحاضرين «تمهل يا يزيد، فإن هذا الثغر الذي تعبث به كان الرسول يقبله» ولم يخجل يزيد ويُقال أنه احتفظ بها في دولابه لمدة عام، ينظر إليها تلذذًا مُتشفيًا..
هذه الرأس اختلف على مكان دفنها بين ست مدن هي المدينة وكربلاء والدقة ودمشق وعسقلان والقاهرة، فقيل أنها أرسلت إلى جميع البلاد لتطوف بها وصلت عسقلان فدفنها أميرها هناك وظلت حتى الحروب الصليبية عندما دفع الصالح طلائع وزير الفاطميين في مصر ثلاثين ألف درهم لينقلها إلى القاهرة، وأن وزيره «بن رزيك» خرج هو وعسكره حُفاة إلى الصالحية فتلقى الرأس الشريف ووضعه فى كيس من الأبنوس وفرش تحته المسك والعنبر والطيب ودفن في المسجد الحسيني بالقاهرة، وقيل أنها أعيدت بعد فترة إلى كربلاء حيث دُفِنت مع الجسد، وأنها وجدت بخزانة زيد بعد موته فدفنت بدمشق، وقيل أنها أرسلت إلي المدينة فدفنت بالبقيع...
إن قتل الحسين بالطريقة التي تم بها، وبالأوصاف التي رواها المؤرخون تقشعر لهولها الأبدان، لما فيها من بشاعة، وابتعاد عن الإنسانية والتجرد من الشفقة، ومن الرحمة التي جاء بها الإسلام...
ولم تكن هذه مجرد كر.. وبلاء.. ولكنها كانت أيضًا حربًا بشعة استمرارًا للحروب السياسية.. فقد دفعت السياسة بعد ذلك إلى ما هو أكثر بشاعة...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.