عفوًا.. مائدة فوق جثث القتلى
بقلم: عبد الله إمام
الجمهورية الخميس 17 يناير 2002م - 8 ذو القعدة 1422هـ
وهكذا جاءت الدولة العباسية التي استمرت أكثر من خمسة قرون تولى فيها الحكم سبعة وثلاثون إمامًا أولهم أبو العباس وآخرهم المعتصم.. حتى هجم التتار فأنهوا الدولة العباسية..
بدأ العباسيون حكمهم تحت راية الدفاع عن أهل بيت النبي «صلى الله عليه وسلم» وتحت راية أهل «على بن أبي طالب» رضى الله عنه، ثم ما لبث أن اضطهدوا العلويين وقاتلوهم علي نحو ما فعلوا ببني أمية. أي أنه بسبب السياسة يمكننا أن نقول أنه حتى أهل بيت النبي الكريم لم ينجوا من الخلاف والاقتتال.
كان أبو العباس عبد الله الذى يتصل نسبه إلى عبد المطلب بن هاشم هو أول خلفاء بني العباس.. ووفقًا للإمام السيوطى فقد وصلت إليهم الخلافة «وما في الأرض أحد أكثر قارئا للقرآن ولا عابدًا ولا ناسكًا منهم». لعبت السلطة والسياسة دورها معهم فإذا بأول خلفائهم هذا العابد يُطلقون عليه بعد الخلافة أسم «السفاح».. ويشتهر بهذا اللقب فلا يعرفه المؤرخون بغيره، فقد كانت حياته مليئة بحوادث القسوة التي لم يشهد التاريخ مثلها فيما اتبعه مع بقايا بني أمية ومع غيرهم من حكام الدولة في أقاليمها أو الذين كان لهم أثر دور أساسي في قيامها.
بعد وصول أبي العباس إلى السلطة كان يعتبر الخلافة حكرًا في أسرة الرسول على غير حقيقة الإسلام، وأن أسرته أولى بالخلافة التي اغتصبها منهم بنو أمية، وقال في خطبة الجمعة «أنه لما قبض الله نبيه قام بالأمر أصحابه إلى أن وثب بنو حرب ومروان، فجاروا واستأثروا، فأملى الله لهم حينًا حتى أسفوه فانتقم منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا، ومنزل مودتنا، لم تفتروا عن ذلك، وقد زدت في اعطياتكم مائة، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح، والثائر المتيح «الذي يقع في البلايا» وقد نقش على ختمه «الله ثقة عبد الله وبه يؤمن» وهكذا كان هو أول من أطلق على نفسه لفظ السفاح الاسم الذي التصق به، وعرف به على امتداد التاريخ.
وينقل الإمام السيوطى - كتاب تاريخ الخلفاء - أنه في دولة بني العباس افترقت كلمة الإسلام، وسقط اسم العرب من الديوان، وأدخل الأتراك في الديوان، واستولت الديلم، ثم الأتراك، وصارت لهم دولة عظيمة، وانقسمت ممالك الأرض عدة أقسام، وصار كل قطر قائم يأخذ الناس بالعسف ويملكهم بالقهر».
ويقول الشيخ محمد الحضري: «إن بني عباس قسوا في معاملة بني أمية قسوة ربما لم نجد لها مثيلا في الدول التي قامت على اثر دولة أخرى.. فعل ذلك العباس بالعراق، وعبد الله بن على بالشام، ونهر أبي فطرس وسليمان بن على بالبصرة، وقد شمر «العباس» عن ساعده في قتل الأمويين حتي لم يبق أحدًا، إرضاء لشهوة الانتقام التي تمكنت من قلوب بني العباس ولم تخجلهم الوحشية القاسية.
وإن حياة أبي العباس انقضت كلها في الخلاص من بني أمية والاطمئنان من جهة كل من يرتابون فى إخلاصه فسفكت دماء كثيرة، وأحدثت قدوة سيئة في نكث العهود واغتيال المخالفين.
ومنذ البداية لما بلغ مروان أن الناس بايعوا السفاح خرج لقتاله فهزم وأرسلوا رأسه إلى أبي العباس ولما رآها سجد لله شكرا وخذ يقلبها بعصاءه وهو يقول الحمد لله الذي أظهرني عليك. وأظفرنى بك، ولم يبق نار قبلك وقبل رهطك أعداء الدين».
وقد قتل في مبايعة السفاح من بني أمية وجندهم مالا يحصى من الخلائق، وتوطدت له الممالك إلى أقصى المغرب، ولكن الاندلس خرجت عن طاعته».
كان السفاح سريعًا إلى سفك الدماء.. فاتبعه في ذلك الولاة الذي عينهم في المشرق والمغرب.. وكان مع ذلك جوادًا بالمال.
ويذكر أبو الفرج الأصفهاني.. كتاب الأغانى «أن أبا العباس كان يجلس على سريره أمية دونه على الكراسي، ودخل عليهم شاعر يذكر بني أمية ثم نظر أبو العباس علي بني أمية قائلًا أرى قتلاكم من أهلى قد سلفوا وأنتم أحياء تتلذذون في الدنيا.. خذوهم فأخذتهم الخراسانية، فأهمدوا، إلا عبد العزيز نجل عمر بن عبد العزيز فإنه استجار قائلًا: إن أبى لم يكن كآبائهم وقد علمت صنيعته إليكم فتركه قائلًا: لا ترينى وجهه وليكن بحيث تأمنه وكتب إلى عماله في النواحي بقتل بني أمية.
في وحشية نادرة الوجود أقام ابو العباس مائدة فوق جثث قتلاه وتلذذ بالطعام كما لم يحدث من قبل.. يقول الأصفهانى أن «أبا العباس دعا بالغداء حين قتلوا وأمر ببساط فبسط عليهم، وجلس فوقه يأكل وهم يضطربون تحته، فلما فرغ من الأكل قال: ما أعلمني أكلت أكلة قط أهنأ ولا أطيب لنفسي منها، فلما فرغ قال: جروا بأرجلهم، فألقوا في الطريق يلعنهم الناس أمواتًا كما لعنوهم أحياء، قال: فرأيت الكلاب تجر بأرجلهم وعليهم سراويلات الوشي، ثم حفرت لهم بئر فألقوا فيها».
ومرة أخرى جاء ببعض خصومه وقتلهم، وعلقهم على الأشجار في بستانه، «حتى تأذى جلساؤه بروائحهم بعد أن تعفنت جثثهم، فكلموه في ذلك، فقال: والله أن هذا الذ عندى من شم المسك والعنبر، غيظًا عليهم وحنقًا».
لم يكف السفاح ذلك بل عمد إلى قبور بني أمية فنبشها حتى يمحو آثارها.. «فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطًا مثل الهباء. ونبش قبر يزيد بن معاوية فوجدوا فيه حطامًا كأنه الرماد ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا جمجمته، وكان لا يوجد في القبر إلا العضو بعد العضو غير هشام بن عبد الملك فإنه وجد صحيحا لم تبل منه إلا أرنبة أنفه فضربه بالسياط وصلبه وحرقه وذراه بالريح».
لم ينجح من نبش قبره وحرق عظامه من بني أمية إلا الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الذي يضاهي في عدله وزهده وصلاحه وتقواه الخلفاء الراشدين الأربعة، ولقد رأينا كيف أن عمر بن عبد العزيز أمر بمنع سب أو شتم على بن أبي طالب وعائلته على المنابر وأنه على عكس جميع بني أمية اتخذ نهجًا جديدًا حتي رفض أن يوصى بالخلافة لابنه.
وقد شملت حملة القتل والانتقام من بني أمية جميع الولايات الإسلامية فقد قام سليمان بن على العباسي بالبصرة بقتل جماعة من الأمويين أحضرهم وعليهم الثياب الموشاة إذ أمر بقتلهم، ودفعوا حتى ساروا على الطريق بأرجلهم وفيه قتلوا جميعًا.
أما داود بن على فقتل منهم بمكة والمدينة عددًا وافرًا وكبيرًا.. كانت حملة ضارية كاسحة ضد الأمويين للتخلص منهم والقضاء على بقاياهم، فاقت في قسوتها ما كان يقوم به الأمويون من قبل.. ووفقًا للشيخ محمد الحضرى «فإن الشدة في المعاملة لم تكن مقصورة على أعدائهم، بل نال أولياؤهم منها الشيء العظيم، وكان معظم الولاة للسفاح من أعمامه، وكان في عهده من الإصلاح الداخلي ضرب المنار والأميال من الكوفة وكانوا يمسحون الأرض بالذراع الهاشمية، وعند تمام الميل يكتبون عليه واحدًا ثم اثنين وهكذا وقد جعلوا في الطريق منارًا به يأمن السائرون الضلال في تلك الفيافي وهو عمل عظيم.. وكانت قاعدة الخلافة في عهد السفاح الكوفة أولا ثم انتقل الى الحيرة وأخيرًا الى الانبار، ونقل اليها دواوينه.
رغم عداء العباسيين لبني أمية والإعلان عن خطأ سياساتهم وادعائهم أنهم جاءوا للتغيير والابتعاد عن كل ما ارتكبه الأمويون من جرائم، إلا أنهم في سبيل الحفاظ على السلطة، ساروا على نفس الطريق بل وسبقوا فيه.
واتفق العباسيون مع الأمويين في قضية توريث السلطة، ورفض المبايعة للحاكم بالشورى وبآراء المسلمين، كما حدثت بعد انتقال الرسول.. وهكذا فعل السفاح عندما أوصي بالخلافة من بعده لاثنين بالتتابع - على طريقة بني امية - أولا أوصى لأخيه أبي جعفر وجعله ولى العهد.. ومن بعد أخيه لعيسى بن موسى بن محمد.. ووضع وصيته في ثوب وختمها بختمه ولم يكتف بذلك بل ختمها أيضا بخواتيم أهل بيته.
فعل العباسيون للحفاظ على السلطة ما هو أكثر قسوة من الأمويين. ومرة أخرى نؤكد أن هذه التصرفات كانت سياسة وليست من الدين فأساءوا للدين.. كان القتل والقتال والحروب السياسية التي استمرت قرونًا حتي استقر في وجدان الناس الدين على حقيقته رافضًا للعنف والقتل والإرهاب.
بنو أمية حولوا الخلافة - التي كانت تتم من قبل بناء على مشورة الناس - إلى ملكية وراثية ليس للناس فيها رأى.. ولا دور.. وحتي فرضوا أصحاب السلوكيات المنحرفة، وجعلوهم أئمة للمؤمنين وحكام المسلمين.
وسار العباسيون على نفس الطريق الذي ابتعد عن الدين واتجه إلى السياسة فأيضًا قتلوا.. وبوحشية، وزادوا عليها نبش القبور وإخراج رفات الموتى من حكام بني أمية، وعظامهم وأحرقوها.
هذه الفظاعة السياسية لم توجه إلى أعدائهم من بني أمية وحدهم.. فسرعان ما أكلت الثورة أبناءها على حد التعبير الشائع في هذه الأيام.. فقد اتجهوا بالقتل إلي الذين عاونوهم.. وساعدوهم.. فسرعان ما التهمتهم نيران الثورة المشتعلة، لخلافات بين القوى الثائرة، والتي لعبت دورًا في قيام الدولة الجديدة.. بهدف هو الحفاظ على كرسى السلطة.. الذي تولاه بعد موت أبي العباس السفاح بالجدرى أخوه أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس. فسار على نفس الطريق.. طريق على جانبيه بحور من الدماء.
صورة من المقال:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.